الورقة التي بدأت بها الحكاية.. «رزنامة» علي الخويلدي تفك شفرة «الخط الديواني» بـ إجازة «بلعيد حميدي» العالمية

حين أمسك علي عبدالمحسن الخويلدي أول مرة قلم الخط في الصف الرابع، لم يكن يدري أن تلك اللحظة ستسحب يده نحو ضوء لا ينطفئ، من دفتر مدرسي إلى لوحات تنبض بالحبر والروح، حيث خَطَا الشاعر والخطاط القادم من بلدة الخويلدية بمحافظة القطيف طريقًا استثنائيًا، ليصبح أول سعودي يُجاز في فن الخط الديواني من الأستاذ العالمي بلعيد الحبيب حميدي، ويحمل توقيع مركز «إرسيكا» للفنون الإسلامية في تركيا.
ويقول الخويلدي، الذي يعمل موظفًا في شركة أرامكو ويمارس الفن خارج إطار الوظيفة، في رحلته التي لم تكن تقليدية، «كنت أرى الفن هواية، فصار هوى»، متكئًا على شغف ذاتي بدأ عام 1997 مع محاكاة آية قرآنية من ورقة تقويم قديمة {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون}.
حبر البدايات
وتعلم الخويلدي ذاتيًا على كتب الكبار، هاشم البغدادي، وأحمد صبري، ومنهج محمد عزت، ثم تلقّى دعمًا ميدانيًا على يد الخطاط السيد مصطفى العرب، قبل أن يبدأ رحلته مع العالمي بلعيد حميدي في مارس 2024، بإرسال نماذج وتلقي تقييمات دقيقة، إلى أن طلب منه كتابة قطعة نادرة للإمام علي (ع): «وصف الدنيا»، على ورق خاص تم طلبه من مصر.
اختياره لتركيا لم يكن محض صدفة، فمركز «إرسيكا» يُعد بوصلة الخطاطين، ويُوثّق الشهادات ويُعادلها رسميًا ضمن أعلى الهيئات الاعتبارية في توثيق الفنون الإسلامية.
سبعة أشهر من الكتابة والتصحيح والمراسلات توّجت بشهادة إجازة نادرة، تُخوّله لتعليم الخط الديواني رسميًا، وممهورة باسم مركز إرسيكا، ليكون بذلك أول سعودي يحصل على الإجازة من الأستاذ بلعيد حميدي.
جاذبية الديواني
عن سرّ انجذابه للخط الديواني تحديدًا، يقول الخويلدي: «أعتقد أن جمال الأشياء يجذبنا وهو نسبي من إنسان إلى آخر، والخط الديواني خط يبعث فيك الفضول لأنه شبه مطلسم للمتلقي، فتحاول أن تفككه وتقرأه»، أما عن التحديات، فيختصرها بجملة واحدة «كل الخطوط رحلة صبر في بحر الإتقان».
بين الشعر والحرف
ولا يفصل علي الخويلدي بين الحرف الشعري والخط العربي، بل يراهما امتدادًا لذاتٍ واحدة «كل الفنون غذاءٌ للروح»، ولعل هذا الانسجام هو ما أخرج لوحاتٍ كتلك التي خطّ فيها «لقد كان مجيئك مجيء السلام إلى قلبي»، وهي أول لوحة له يُدخل فيها الزخرفة ضمن بنية النص، أو قوله «توضأ بالمحبة قبل الماء فإن الصلاة بقلب حاقد لا تجوز»، وهي إحدى أعماله خلال فترة الحجر عام 2020، حين صار الفن منفاه ونجاته.
معارض وتكريمات
وشارك الخويلدي في معارض متنوعة، أبرزها معرض رقمي مع جماعة الخط العربي بالقطيف (2020)، ومعرض في الهند بالتعاون مع الخطاط بشير الجعفر (2023)، ثم معرض فني في جمعية الثقافة والفنون بالدمام (2025). لكنه يعتبر أن محبة الناس، قبل الشهادات، هي الوسام الأغلى.
وقد خطّ أيضًا لوحة لليوم الوطني مقتبسًا فيها من كلمات ولي العهد الأمير محمد بن سلمان «أنا أعيش بين شعب عظيم يمتلك همة كأنها جبل طويق».
على عتبة التعليم
ولا يكتفي الخويلدي اليوم بالإنتاج الفني، بل نائب لرئيس جماعة الخط العربي بالقطيف، ويقود مبادرات لتعليم الخط لجيلٍ شاب لم تفتر ذائقته بعد، كما يقول «لايزال الإقبال مستمرًا على هذا الفن السحري».
وبينما يخطط لتوسيع دائرة التأثير المجتمعي، لا ينسى فضل المحيط الداعم له، خاصة زوجته وابنه رضا، اللذين منحاه المساحة والمسند، ومعلمه مصطفى العرب الذي كان «الظل الموجّه» في لحظات النضج الفني.
اهربوا للفن
«الفن ملاذ»، يقول علي الخويلدي، ويوجّه رسالته لكل شاب يحمل حسًّا بالجمال أو شغفًا بالحرف «اهربوا للفن، لا تهربوا منه، ففيه ما لا يُقال إلا بالحبر».
ويخص أستاذه في ختام حديثه بكلمات امتنان مؤثرة «شكرًا لزوجتي وابني رضا والأحبة على دعمهم في هذه الرحلة، وقُبلة على جبين أستاذي السيد مصطفى العرب، لدعمه لي في مسيرتي»، مضيفًا «المثابرة أحيانًا تأتي النتيجة بعد مئات الصفحات من المحاولات».
ويختتم بقوله: «أوجّه هذه الكلمة لكل من يحمل القلم، لكل طالب يحاول رسم أول ألف بثبات، لكل معلم يزرع الجمال في قلوب طلابه قبل دفاترهم، ولكل عاشق لهذا الفن العريق، دعوا الخط يُهذّب أرواحكم كما يُهذّب الحروف، واذكروا دائمًا أن كل نقطة، وكل انحناءة، تصنع فرقًا، تمامًا كأفعالنا في الحياة».











