«لو» و«يا ليت» ما تعمر بيت!

رأيت أحد الشبّان الذين أعرفهم في مكان عمله، يعمل في مهنة طيبة لكن لا أظنها تبني مستقبلًا! كل مهنة يكسب الإنسان منها لقمة عيش هي شرف وفضيلة، لكن وأقول لكن عشر مرات! لماذا يستعجل بعض الشبّان الوظيفة ولا يكمل الدراسة وينتهي في وظيفة متواضعة؟
لي عتب مخلوط بمحبة على الشبان الذين يضيعون مستقبلهم التعليمي والوظيفي؛ ماذا يضرهم لو أتعبوا أنفسهم قليلًا لكي يرتاحوا بعد ذلك؟ لماذا يضيعون الفرصة على أنفسهم؟ لي عتب أعظم على الآباء والأمهات الذين يستسلمون لرغبات الأبناء والبنات في التقاعس عن التعلم والمنافسة العلمية. التربية ليست أكل وشرب ومسكن! التربية لا تُجزأ، أفضلها وأهمها العناية والاهتمام بالتعليم.
تسمع وترى من يجادل قائلًا: كم من شاب لديه شهادة علمية لا يجد وظيفة؟ وكأن الشهادة سبب عدم الحصول على وظيفة! هات لي أحدًا في العالم يقول: التعليم غير ضروري؟ شرط أن يكونَ عاقلًا! لا تزال محظوظًا لأن دراستك إما مجانًا أو على نفقة والديك! كان الكثير من زملاء الدراسة في الخارج يعملون وهم يدرسون، عليهم الإنفاق على تكاليف الدراسة! ماذا تقول؟
سأقول لك يا ولدي: في الغد تدرك أن التعليم سلاح الأمم جمعا، وأنّ من ليس لديه شهادة علمية لن يسافر مع المسافرين مثل الذي ليس لديه جواز سفر! سأقول لك يا أخي: ليس مطلوبًا منك أن تشتري لابنك سيارة، أو هاتفًا محمولًا، أو ملابس جديدة كل عيد، ومطلوب منك أن تذهب أبعد من الصين وتعلمه!
سأقول لك بعد سنوات قليلة تحتاج إلى شهادة أعلى من جامعية لكي تنافس غيرك! حتى البنت التي تخطب يدها تسألك عن مستوى تعليمك! زمن أبي وجدي الذي كان يعتمد على عضلاته وقوته في كسب الرزق صار زمن الفكر والعقل والآلة.
أليس غريبًا أن يطلب منا رسولُ الله صلى الله عليه وآله قبل قرون كثيرة أن نطلب العلم ولو في الصين؟ "اطلبوا العلم ولو بالصين فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم"؟ حتى أنت، يا صديقي، تستطيع أن تدرس وتحصل على شهادة، ولو عن بعد!
قد تكون أكبر مثقف في الدنيا، تقرأ كتابًا كلّ يوم، تفكر وتكتب، لديك وظيفة وغني! اتفق الناس على شهادة فائدة الدراسة الأكاديمية ولا سبيل للذهاب إلى قاض يبطل هذا الحكم والإجماع، فما أنت صانع؟
"لو" و"ليتَ" من حروف التمني، تمني ما عسر ويصعب حصوله كأن تقول: ليتني أكملتُ دراستي!
وَما نَيلُ المَطالِبِ بِالتَمَنّي
وَلَكِن تُؤخَذُ الدُنيا غِلابا
وَما اِستَعصى عَلى قَومٍ مَنالٌ
إِذا الإِقدامُ كانَ لَهُم رِكابا
بالأمس عمل الناس بأيديهم، واليوم يعملون بعقولهم، عشنا أمس ونحن في اليوم، والله وحده يعلم كيف يكون يوم غد!



