أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

صمتُ الشاشات

عماد آل عبيدان · القطيف اليومالخميس 5 يونيو 2025، 9:45 م
صمتُ الشاشات

في بيت صغير ذي جدران شاهدة على الزمن، عاشت عائلة المُربي. لم يكن بيتهم واسعًا، لكن فيه سعة محبةٍ ونظامٍ يحاول البقاء رغم فوضى العصر.
كل شيء بدا طبيعيًا، حتى ظهرت تلك الكائنات اللامرئية التي تسكن في شاشات مضيئة، لا تجوع ولا تنام: الآيباد، والسوني، واليوتيوب، وتطبيقاتٌ لا تُحصى.

في كل مساء، يتحوّل ذلك البيت الهادئ إلى ميدانٍ خافتٍ للشدّ والجذب.
صالح، الأب المتوازن بين الحزم والحنان، لم يكن يتهاون أمام زحف الأجهزة.
جلس ذات ليلة إلى جوار زوجته فاطمة، يراقب بصمت وجوه الأطفال المنحنية أمام الشاشات.

قال بصوت يحمل تعب الأيام:
ــ “فاطمة، لا أراهم… هم هنا، لكن ليسوا هنا.”
نظرت إليه، ثم إلى البنات، وهمست:
ــ “أخاف أن نغيب نحن قبل أن ينتبهوا إلينا…”

دخل عليهم شاكر، الأصغر بينهم، حاملاً جهاز التحكم:
ــ “بابا، الجهاز ما يشتغل… يمكن لأنك ما شحنته بالغلط!”

ابتسم صالح ساخرًا:
ــ “أنا؟ لا يا ولدي، الجهاز اختارك لتعتاد على يومٍ بدونه.”
رد شاكر بعبوسٍ خفيف:
ــ “حتى الجهاز صار يخليني وما يبغاني؟!”

في الزاوية، كانت سوسن تحدّق في شاشة الآيباد، تنقر على لعبة ملونة دون أن ترفّ جفنًا.
أختها التوأم شريفة تراقبها وتهمس:
ــ “سوسن… تذكري لما كنا نلعب بالعرايس؟”
ــ “العرايس ما تتكلم مثل لولو في اللعبة.”
ــ “بس لولو تطفي لما تخلص البطارية… وإحنا؟ من يشغلنا من جديد؟”

صمتٌ ثقيل.

في اليوم التالي، وقف صالح أمام أولاده مجتمعين في المجلس، وقد أمسك بقطعة كرتون كتب عليها: ميثاق الشاشة.
قال بصرامةٍ مرّة، ودفءٍ مر:
ــ “يا أولادي، ما عاد في منع ولا صراخ… راح نعيش مع الأجهزة، بس مو عبيد لها. لكل واحد ساعتين فقط. بعدها نرجع لبعض، نتكلم، نضحك، نقرأ، نغلط ونتعلّم سوا.”

إسراء، المراهقة الهادئة، رفعت حاجبها وقالت بلهجة ساخرة:
ــ “وأنا إذا قرأت معاكم، في أحد بيصفّق لي على اللايف؟”
أجابتها أمها، وهي تقترب منها وتضع يدها على كتفها:
ــ “إحنا بنصفق لكِ بقلوبنا، مو بقلوب لايكات.”

أماني، التي غالبًا ما تصمت، قالت بهدوءٍ أربك الجميع:
ــ “أنا موافقة… بس بشرط، كل أسبوع نحكي قصة من طفولتكم، أبغا أعرف ويش كنتوا تسوّون بدون شاشات.”

ضحك صالح بصوت عالٍ، وقال:
ــ “راح تسمعين كيف كنا نحرك الدمى بأصابعنا، ونرسم الخيال على الجدار!”

ومضت الأيام… لم يكن تطبيق الميثاق سهلاً، ولا الأطفال ملائكة.
كان هناك تمردٌ، وبكاء، وادّعاء نسيان، ومحاولات تسلل إلى الأجهزة ليلًا.
لكن أيضًا، بدأت تظهر علامات التحول…

في إحدى الليالي، دخل شاكر غرفة أبوه وقال:
ــ “بابا، تعرف ويش صار؟ السوني اخترب، بس أنا رسمت له وجه جديد في دفتري!”
ضحك الأب، ثم احتضنه وقال:
ــ “أهم شيء إن قلبك ما يخترب يا شاكر.”

وفي زاوية المطبخ، همست فاطمة لصالح:
ــ “ما توقعتهم يرضوا… لكن شكلهم محتاجين بس أحد يسمعهم، مو يصرخ عليهم.”
قال صالح، وعيناه تلمعان:
ــ “وإحنا كنا نحتاج نعرف إنهم بشر، مو أجهزة نتحكم فيها.”

عاد الدفء إلى البيت، لا باختفاء الشاشات، بل بترويضها.
وعاد صوت الضحك، لا من الفيديوهات، بل من قلوب امتلأت بالحياة.

في النهاية، لم يكن “صمت الشاشات” هو المشكلة، بل “صمت الأرواح خلفها”.
وها هو البيت الصغير، بيت المُربي، يشبه اليوم كتابًا مفتوحًا، تقرأ فيه الفصول، دون أن يقطعك إعلان أو إشعار.