أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

عيوب النفس نار تحت الرماد

نرجس الجمعان · القطيف اليومالجمعة 20 يونيو 2025، 3:49 م
عيوب النفس نار تحت الرماد

قال تعالى: «بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ – وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ» أي يعلم ما يصدر من تصرفاته وإن أعتذر، وهذا ما يُقصد بالبصيرة، بأن يكون الإنسان رقيبًا على تصرفاته بنفسه، فهي الضابط الاجتماعي للأخلاق. فالدين يخلق في الإنسان رادعًا لتلك التصرفات، ومن هنا ينبغي أن ننتبه إلى أحاديثنا عند لقائنا ببعضنا؛ فالبعض منّا أصبح يفتقد الأمان العائلي بسبب تلك الكلمات الهوجاء الجارحة، أو سؤاله عن أشياء قد تشعره بالنقص والحرج والخجل.

كما أشير إلى أننا نعاني دائمًا في مجتمعنا من دوامات الملوّثين دينيًا الذين يقومون بمحاكاة وتقليد الآخرين دون وعي أو تفكير، وكأنما الشعائر الدينية فقط مقتصرة على الزيارة والصلاة، متناسين أن حرمة المؤمن وإيذاءه أعظم من حرمة الكعبة عند الله. فنحن نحتاج دائمًا لإعادة صياغة كل التعاريف في ذهننا من جديد، بدءًا من الإنسان، والأخلاق، والأهم من ذلك مفهومنا عن الحياة والغاية التي من أجلها خُلقنا.

والإمام الجواد (ع) – فيما رُوي عنه – يؤكد لنا أن القصد إلى الله تعالى بالقلوب أبلغ من إتعاب الجوارح.

فالعرفان ليس مختصرًا بالسجادة والليل، بل هناك نواحٍ متعددة؛ فالكلمة الطيبة وقضاء حوائج الناس معنويًا وماديًا أبلغ العرفان.

والشيطان قد يُنبذ لأنه كافر، لكنه يعود على هيئة رجل شديد الإيمان، وهذا هو حال الأغلب؛ فبعد أن شُحنت النفوس وقُطعت العلاقات بغير بصيرة، وشاعت الخصومة بينها وبين أقرب الناس، قصدت الله بالزيارة وتهافتت برسائل براءة الذمة.

فمتى نستفيق؟ من غفلتنا؟ ولا نكون ساذجين ونظن أن الحرب بيننا وبين الشيطان قد انتهت، والشيطان يقبع بيننا بألف وجه.

لقد أضاعوا هدف الدين ورسالته السامية، التي من شأنها أن تسيطر على نفس الإنسان وليس على الآخرين. فمهمة الدين الرئيسية ليست إدخال الإنسان الجنة، بل إدخال الجنة إلى قلب الإنسان. ولكننا نجد البعض قد انشغلوا بعيوب الآخرين، متناسين عيوبهم.

وقد يظن البعض أن غرضي من الكتابة هو التحرر، ولكن هدفي تصحيح المفاهيم، فربنا لم يخلقنا لنؤلم الآخرين ونكفّر بزيارة.

فالوعد الإلهي حقًا مشوّق لكل من ضبط نفسه وهذّبها: (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: “العامل على غير بصيرة كالسائر على غير طريق، لا يزيده سرعة السير إلا بُعدًا”.

وحينما نتأمل النفس البصيرة بوصف دقيق، فالبصيرة هي عقيدة القلب وكمال العقل، بأن يُبصر الإنسان ويتفقه في دينه ويعرف حدوده وحلاله وحرامه.

فقد يكون الإنسان متدينًا، لكنه ليس بالضرورة بصيرًا، فكل شقاء سببه الغفلة؛ فهي تعمي البصيرة وتجعل القلب عاجزًا عن الإدراك، وتظهر في ظروف معيّنة وتدفع صاحبها للهلاك، فلا نجاة بعد ذلك. يتغلغل بصاحبها الحقد والحسد والمقارنة، فترى سلوك الإنسان ينحدر ويفتقر للنزعة الإنسانية.

وختامًا، شكرًا لذلك المربي الفاضل، والرجل الصالح، والنموذج الجميل في المجتمع، والابن البار بأمّه وبمن حوله من إخوان وأقارب وأصدقاء.

وألف رحمة ونور على ذلك المعلم، الذي حين أذكره تخنقني العبرة؛ فقد مضى عنا في عزّ شبابه، إذ كان نموذجًا رائدًا في التربية والأخلاق الفاضلة، وأحبّ الجميع بدون استثناء وبدون شروط، وبادله الجميع المودّة والمحبة.

وقد وجدته يتسابق لزيارة الجميع، وتوقير الكبير، وجبر خاطر الأخ والأخت، والسؤال عن أحوالهم.

ويمضي الأيام والليالي في التفكير بمن حوله من ذوي القربى، وقلبه يتألّم لحالات الضعف والألم، يشمل الجميع بدعائه.

مضى عنا في عز شبابه، فترك في القلب جرحًا سيبقى مدى الأيام والأزمان حاضرًا لا يغيب.

فرحمة الله عليك يا أبا جواد، يا فارسي النبيل، وسيدي الكريم، وزوجي الصالح، وجعل مثواك الجنة، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

وإلى روحه الطاهرة نهدي سورة الفاتحة.