القدوة الزائفة ومطاردة الانحراف

يتشكل وعي الإنسان – غالبًا – في سنواته المبكرة من خلال الشخصيات التي تحيط به، كالوالدين، والمعلم، وعالم الدين، وغيرهم. وقد يرى في أحدهم نموذجًا يُحتذى به، فيجد في سلوكه وأفكاره صورةً لما يتصوّره “كمالًا إنسانيًا"، لكن هذا التصوّر قد يُختطف من قبل جهات تروّج لرموز مزيّفة عبر الإعلام أو السينما أو غيرها، فتُلبس الرداءةَ ثوبَ الإتقان، وتُسوّق للسطحية على أنها وعي. وهكذا، تنشأ لدى بعض الشباب قدوات مشوّهة، تجعلهم يظنون أنهم باتّباعها يسيرون نحو النمو والرقي، بينما هم – في الحقيقة – ينحدرون في سلّم القيم، ويجنون المآثم من حيث لا يشعرون، فقط لأن المعيار نفسه قد فسد.
هذا القدر من الحديث حول أهمية القدوة قد يبدو إنشائيًا ومفهومًا لدى أغلب الناس، لكن الجانب الأهم فيه يتعلّق بتوقيت التربية وأثرها الحقيقي، وهو ما يرتبط غالبًا بمرحلة الطفولة، فكلّما تقدّم الإنسان في العمر، ازدادت صعوبة إصلاحه، وتحوّل الانحراف إلى طباع مترسخة يصعب اجتثاثها. إن التعويل على إصلاح متأخر غالبًا ما يكون رهانًا خاسرًا، لا لأن الإنسان لا يمكن أن يتغير، بل لأن التغيير – حينها – يصبح أكثر كلفةً وتعقيدًا، وقد قيل: “ذاتي الطبع لا ينفك عن ذاته”. وإن لم يكن الأخلاقيون يُسلّمون تمامًا بهذه المقولة، إلا أنهم لا ينكرون صعوبة التغيير في المراحل المتأخرة من العمر، من هنا، فإن الجهات التربوية حين تؤجل غرس القيم أو تستهين به في وقت مبكر، فهي – من حيث لا تدري – تُمهّد لطريق أصعب بكثير، وربما تُفوّت على الإنسان فرصة التكوين السليم، أو تجعله يدفع ثمنًا باهظًا لاحقًا.
في زمننا الحاضر، أصبحت أدوات الانحراف أكثر احترافية وتأثيرًا. فالإعلام يُتقن صناعة الإضلال والإفساد، والمنابر والخطابات الخبيثة باتت تجيد النفاذ إلى أعماق النفس البشرية، لتأخذها – بدهاء – نحو الانحراف والانزلاق، أمام هذا كله، لا يوجد حصن أقوى من التربية المبكرة. إنها الجدار الصلب الذي يصعب اختراقه، إذا ما غُرست تلك القيم فيه في وقتها المناسب، فالإنسان الذي يُربّى منذ الصغر على المبادئ والوعي، غالبًا ما يمتلك مناعة فكرية وسلوكية تقف سدًا أمام امواج الانحراف المتلاطمة. أما من فاتته هذه الفرصة، فسيظل مهددًا بالوقوع، ولن تُجدي معه كثير من المواعظ، بل قد تتحوّل تلك المواعظ نفسها إلى مادة للسخرية والتندر، إن مسؤولية حماية الإنسان من القدوة الزائفة لا تقع فقط على عاتق الأسرة، بل هي مسؤولية جماعية تشمل المؤسسات التربوية والإعلامية والدينية. وإن لم نستثمر السنوات الأولى في بناء وعي راسخ، فسنظل نطارد الانحراف بعدما يصبح عادة، لا فكرة، وتلك معركة نخسرها عادة قبل أن تبدأ.



