أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

وسيبقى الماضي سيد المستقبل!

غالية المحروس · القطيف اليومالثلاثاء 8 يوليو 2025، 3:05 م
وسيبقى الماضي سيد المستقبل!

عندما بلغت الثامنة من عمري، بدأت وقررت أن أتنازل عن طفولتي من حيث لا أدري. حيث أنهك جسدي الضعيف بسالة الانحناء بالمسؤولية، فقد كنت أتكئ على قبضة صمتي والذي كان شاهدًا ومتوهجًا بالمعاناة الطويلة. حيث أتذكر ذلك تمامًا نعم أتذكره جيدًا، واليوم، يبدو من المستهجن أن أكشف النقاب، لقد كنت موهوبة آنذاك في الكتابة، وكنت في ظروف وملابسات تتخللها مسؤوليات أخرى مبكرة أكبر من عمري. لعلي أضحك على نفسي عندما أتذكر كيف كنت أكتب، وأنا طفلة بفكر فتاة شابة بين حين وحين أتوقف عن الكتابة. السبب في منتهى البساطة، لم أملك قدرًا من الوقت يتيح لي إمكانية أن أكتب ما أحتاجه من مشاعري وعذاباتي. لقد زودت نفسي بدفتر للكتابة بشق النفس، وأنا أكتب الآن نعم هذه اللحظة داهمتني الفكرة وآلمني ذلك كثيرًا، فبكيت بحرقة! كنت أكبر من طاقتي في تلك السن، ولقد شجعتني معلمة اللغة العربية للمرحلة المتوسطة على الكتابة، ولا أزال حتى اليوم مدينة لها. ما أردت قوله هنا؛ كنت أحتضن يومي بكل تفاصيله يومًا بيوم ولم أتطلع أبدًا إلى المستقبل.

سنوات حياتي لم تأت دفعةً واحدة، بل كنت أستقبلها يومًًا بعد يوم. مع غروب كل شمس، أستريح قليلًا وأترك مسؤوليتي ومن أعني وأقصد لأدبّر الأمر لبعض الوقت. قد أطمئن بعضًا من الليل، مدركة أن الفجر سيحمل معه فرصةً لبداية حياتي من جديد، بآفاقٍ جديدة وآمالٍ مُلهمة بالأحلام. الساعات التي تلي ذلك، قبل أن أعود إلى النوم مجددًا، هي لي أقرر كيف أريد أن أعيش يومي لو كان ممكنًا لي، أخدم وأساعد والدتي، وأضحك وأبكي وأخفي تعبي، هذه هي كانت حياتي الطفولية كنت أقضيها بهذه الطريقة يومًا بعد يوم.

تخيّل أيها القارئ الكريم كيف يمتد المستقبل أمامك، وحاول أن تلاحظ إن كنت تشعر بأي توتر أو ضغط تجاه رحلتك الحياتية القادمة. ربما غيّرت نمط حياتك مؤخرًا بطريقة أو أخرى، وتبدو فكرة الاستمرار التي كنت أعيشها في هذا السلوك لسنوات عديدة أمرًا مستنزفًا. ربما تنفست الصعداء بعد أن بدأت وظيفتي بأرامكو وبعد أن تزوجت ممن أحب والذي قضيت معه أجمل سنين عمري والذي يصادف غدًا التاسع من July الذكرى الـ 48 عامًا من زواجنا، والذي لم أر منه وفيه ومعه إلا جميلًا. لا أخفيك كنت أشعر بقلق خفي بشأن قدرتي على النجاح والتحدي. ولكني استطعت، وبإصرار شديد تحويل تركيزي عما قد حدث وسيحدث بعد سنوات، والعودة به إلى اليوم الذي أمامك الآن، فقد وجدت قدرًا من الهدوء والرضا والثقة المتجددة بقدراتي. وقد اكتشفت أيضًا إيمانًا داخليًا بأن المستقبل سيُدبّر أمره بنفسه.

مازلت أتمسك بضميري الذي يحتم علي التمسك بالكثير من مبادئي، أولها احترام نفسي وغيري ومحبة أسرتي وبعض صديقاتي بمختلف مكاناتهن داخلي، فقد بدأتُ أستاذة لنفسي وما زلت كذلك في كثرة مطالعتي وقراءاتي. أنا لا أكفّ عن القراءة، تجوع نفسي مثل جسدي، ولعلي أعترف، تبقى أوراقي وقلمي هكذا مبعثرة في أماكن عدّة من منزلي، فالمكتبة التي أٌقتنيها أفخر بها ليست تحفة للزينة، وإن كانت تصلح لذلك، لكنّها تبقى شفائي ودوائي كلّما توجّعت روحي تجولت فيها، والتي أعدها ركنًا شافيًا لي.

لا تعجب أيها القارئ من شجاعتي الأدبية في الكتابة، حيث حملتني المسؤولية على حمل وتحمل مسؤولية الكلمة الأدبيّة بكاملها وصدقها. لذلك اخترت لنفسي أن أكون أنا وحدي لنفسي بفكري وإيماني. وكأن ما أكتبه هنا الآن نص مفتوح، ولعله يجعل بعض القراء شركاء في إحساسي الأدبي، ولا بأس لو اعترفت قائلة إن في روحي غصة! وزوجي وتوأم روحي له فيها حصة! كنت أتوجع عندما أتخيله كيف كان طفلًا صغيرًا ينام بلا أم، كان يقول لي دائمًا أتمنى لو أتمكن أن ألمح تفاصيل وجه أمي لأتخيل ملامحها والتي فقدها في عمر ست سنوت، هذه اللقطة أو الفكرة بحد ذاتها، عندما تداهمني لا أحتاج لكوب قهوة ينعشني بل لضمير إنساني، يجعلني أن أتذكر كيف كنت أمًا لإخواني وأنا طفلة صغيرة أدرك أن البعض لم يفهم ما أعنيه، ولم تكن بي رغبة في التفسير أكثر!

وخلاصة فكرة النص أن طريقة تعاملنا مع حياتنا بالأمس واليوم والغد تؤثر تأثيرًا بالغًا على هويتنا المستقبلية وما سنختبره بعد سنوات. فإذا استطعنا أن ننغمس تمامًا في يومنا هذا، مستمتعين بكل ما فيه، ومستثمرين طاقتنا في استغلاله على أكمل وجه، سنجد أنفسنا مستعدين تمامًا وقادرين على مواجهة أي ظروف مستقبلية عندما تحين.

وأخيرًا وبعد أن مضت ودارت الأيام والأعوام وأخذ العمر أجمل الذكريات والآهات، ولكن تجربتي وخبرتي العميقة أحملها معي حتى آخر نفس من عمري، كم نحن بحاجة للذكرى والخبرة، وكم نتمنى أن نوثق مواقفنا وتجاربنا لأجيالنا القادمة الواعدة!