أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

عندما يختلط الكرم بالطين!

هلال الوحيد · القطيف اليومالثلاثاء 15 يوليو 2025، 11:54 ص
عندما يختلط الكرم بالطين!

حقيقة لا تحتاج إلى برهان أن الإنسان خلق من طين. الله سبحانه وتعالى قال: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ}. ليست هذه الآية الوحيدة التي تقول بأن الإنسان خلق من طين. آيات غيرها قالت كذلك! اقتضت حكمة الله أن يخلق الإنسان بكل عظمته والذي يعتبر أفضل مخلوقات الله سبحانه وتعالى من تراب رخيص لا قيمة له. هكذا تجلت قدرته سبحانه وتعالى أن يجعل أرفع خلقه من أبخس وأرخص شيء!

حقيقة أخرى أن المورثات تحدد تشكيل وتطور وسلوكيات الإنسان. الفوارق الجسدية، الفروق النفسية بين أفراد البشر تعود إلى فوارق في المورثات -الجينات- التي تحملها هذه الأفراد.

هل تستغرب إذا وجدت شخصًا كريمًا أبًا عن أب وأمًّا عن أمّ؟ هل تستغرب إذا وجدت مجتمعًا تجمعت فيه خصال الكرم منذ أن دون التاريخ سيرة المجتمع؟ لك أن تسأل: هل اختلطت جينات الكرم بطين هؤلاء الناس ما جعل الكرم جزءًا لا يمكن عزله أو فصله؟ شأنه مثل جمال الوجه وعذوبة الصوت ولون العيون!

الحمد لله الذي جعل في مجتمعنا أناسًا كرماء مثل كرم البحر الذي لا يتوقف عن المدّ وضوء القمر الذي لا يشوبه انخساف.

أنت مصيب أيضًا إذا وجدت صفات منكوسة في شخص، أو مجتمع، أن تسأل: ألا يمكن أن تكون جينات الشخص أو المجتمع السيئة جزءًا من التراب والطين الذي خلق منه؟ هل تلد الحية إلا حية؟!

جاء الإسلام وحثّ على الحفاظ على جينات الكرم ونماها في نفوس المسلمين وصار الكرم فخرًا لهم سار به الشعراء وهذا أحدهم يقول:

ذَريني فَإِنَّ البُخلَ يا أُمَّ هَيثَمٍ * لِصالِحِ أَخلاقِ الرِجالِ سَروقُ
ذَريني وَحُطّي في هَواي فَإِنَّني * عَلى الحَسَبِ الزاكي الرَفيعِ شَفيقُ
وَإِنّي كَريمٌ ذُو عيالٍ تَهُمُّني * نَوائِبُ يَغشى رُزؤُها وَحقوقُ
وَمُستَنبِحٍ بَعدَ الهُدوءِ دَعوَتُهُ * وَقَد حانَ مِن نَجم الشِتاءِ خُفوقُ
يُعالِجُ عِرنينًا مِنَ الليلِ بارِدًا * تَلُفُّ رياحٌ ثَوبَهُ وَبُروقُ
تَأَلَّقَ في عَينٍ مِنَ المُزنِ وَادِقٍ * لَهُ هَيدَبٌ داني السَحابِ دَفوقُ
أَضفتُ فَلم أُفحش عَلَيهِ وَلَم أَقُل * لِأَحرِمَه إِنَّ المَكانَ مَضيقُ

شاعر اسمه عمرو بن الأهتم يخاطب زوجته ألا تعذله ولا تلومه في كرمه بل يطلب منها أن تذهب مذهبه في الكرم وألا تخشى الفقر. لذلك إذا رأيت كريمًا أكثر من العطاء لا تلُمه فإنه يتصرف مجبولًا على العطاء لأنه مخلوق من طينة رطبة ندية وإذا رأيت بخيلًا ممسكًا فهو مخلوق من طينة يابسة جافة.

لا غرّ إن مدح الله أناسًا باتوا يتلوون من الجوع، لا يأكلون زادًا ويطعمون أكلهم وزادهم غيرهم {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}. للمفسرين حكايات ظريفة في الآية السابقة ربما يود القارئ الكريم والقارئة الكريمة أن يطلع عليها من كتب التفاسير.