نساء تاروت!

عندما تنام الليلة فوق وسادة من ريش النعام، أو القطن الناعم، وتَتدثر بالغطاء الموشى بأجمل الألوان، يبرد جسمك الهواء المعتدل البرودة تذكر كيف عاشوا. تذكر لا لشيء سوى أن تترحم عليهم وتعرف أنهم -رجال ونساء- مهدوا لك الطريق وفرشوهَا بقطرات التعب والعرق المتواصل دون هوادة، حتى آخر رمق من حياتهم.
خصصتُ نساء تاروت لأنني هناك ولدت، هناكَ كبرت، هناك تعلمت، هناك رأيت نساء مثل أمي وخالتي وعمتي وجاراتي وأقاربي يعملن منذ ساعات الفجر بين فصول الصيف والشتاء، إما في الزراعة مع الرجال أو في أعمال البيت وتربية الأبناء والاعتناء بالبقر والماشية وحمل الملابس والأواني مسافات طويلة إلى منابع الماء من أجل غسلها.
لم يكن ذلك النمط من الحياة خاصًّا بنسوة تاروت. هنّ عينة من نسوة كلّ بلدات القطيف، وحتى أبعد من القطيف، لكن كل بلدة لها جزئية ثقافية وطريقة حياة مختلفة نوعًا ما. خلقت منهن ظروف الحياة القاسية نساء قويات ذوات عزيمة يصبرن على غياب الزوج في رحلات البحر الطويلة والمهامّ الشاقة. نساء يقمن بأعمال لا ينهض بها إلا الأشدّاء من الرجال.
حالات الولادة -المنزلية- والطبابة معاناة، السفر مشقة كبيرة، أعمال المنزل تحتاج إلى جهد ووقت طويل. الأهم أن توفير متطلبات وحاجيات المرأة الخاصة -ملابس وزينة- لم يكن متيسرًا لأغلب العوائل.
جاء النفط وتغير نمط الحياة. انتقلنَ بسرعة إلى حياة عصرية، تعلمن وأبدعنَ في كل مجال. كنّ من أوائل النساء اللواتي ساهمن في إنشاء جيل متعلم من الأبناء والبنات. جيل تخصص في الهندسة والطبابة والتعليم والعمل الفني؛ عدّ ما خطر على بالك من إبداع هنّ ساهمن في صناعته.
سنوات قاسية كنا شهودًا عليها، لم نقرأها في حكاية أو نسمعها من رواة. صحيح أنه كانت في تلك الحقبة من الزمن مزايا وإيجابيات لكن الأغلب الأعم ضغوط نفسية وجسدية. جاء التغيير الأكثر إيجابية مع دخول شركة أرامكو وتوفير وظائف للأزواج والأبناء وحصولهم على مساكن حديثة ومداخيلَ شهرية ثابتة. الكهرباء المنتظمة كان لها نصيب كبير في تحسين حياة الأسرة، خصوصًا النساء اللواتي كن يجهدنَ في إعداد الطعام وكنس الدار مع ندرة الطعام لحدّ الجوع أحيانًا.
حياة لا يحن إليها ولا يطمع فيها أحد، لولا بساطتها وبعض التقارب الأسري والاجتماعي الذي فرضته الضرورة وضيق العيش. عينة من النساء أمي -رحمها الله- عائلة كبيرة وعدم انتظام في دخل الأسرة ما اضطرها لبذل جهد كبير. تقضي يومها بين ملاحقة العمل المنزلي ومساعدة الوالد نهايات فصل الصيف في صرام النخيل، مثلها مثل الكثير من أقرانها في تلك الفترة الزمنية. مهمة يشترك فيها الرجال والنساء كتفًا بكتف.
أسوأ الفصول فصل الصيف الحار -أربعة أو خمسة أشهر- دون وسائل راحة منزلية لحفظ الطعام وتلطيف الجو الحار الرطب الذي يصعب النوم فيه. كل هذا التعب لم يخلق حالة من اليأس والقنوط في أرواحهن.
شكرًا لذلك الجيل من النسوة اللواتي أوصلننَا إلى ما نحن فيه من رخاء وهناء، نسوة لهنّ الجنة. كنّ بالأمس كذلك. الآن أغلب النساء يلتحقن بالجامعات ويعملن في المشافي أو التدريس والتربية والأعمال الشخصية، أو غير ذلك من مهن يكون دخلها عاملًا إضافيًا يساهم في جودة حياة الأسرة وتعليم الأبناء والبنات.
أهدي ذكرى المحبة إلى روح والدتي خديجة، إلى خالتيّ مريم وتاجة. ثم إلى عمتي آمنة وجاراتنَا اللواتي عشن العيشة القاسية بكل تفاصيلها، وما اشتكينَ ولا تذمرن.
ربما يجود الوقت بوقفات أخرى عن حياة تلكم النسوة!



