أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

أبعد المسافات شبران تفصل بين حيٍّ وميت!

هلال الوحيد · القطيف اليومالجمعة 25 يوليو 2025، 9:03 م
أبعد المسافات شبران تفصل بين حيٍّ وميت!

نهاية الدنيا حفار يحفر قبرًا طوله أقل من مترين وعرضه أقل من متر وعمقه متران. يذهب عنك المحبّ والمبغض وتبقى مرتهنًا لعملك! من سكن القصر يتساوى مع من سكن الكوخ في حفرة ضيقة. من لبس الذهب والملابس الموشاة بالحرير ومن لبس الخرق البالية يكفنون في قطعة قماش من أزهد وأرخص الأقمشة! ضجيج وعويل ساعة ثم تنسى!

من خطبة للإمام علي -عليه السلام- مسطرة في كتاب نهج البلاغة:
دار بالبلاء محفوفة، وبالغدر معروفة. لا تدوم أحوالها، ولا تسلم نزالها أحوال مختلفة، وتارات متصرفة. العيش فيها مذموم والأمان فيها معدوم. وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة ترميهم بسهامها وتفنيهم بحمامها واعلموا عباد الله أنكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى قبلكم ممن كان أطول منكم أعمارًا، وأعمر ديارًا، وأبعد آثارًا. أَصبحت أصواتهم هامدة، وريَاحهم راكدة، وأجسادهم بالية، وديارهم خالية وآثارهم عافية. فاستبدلوا بالقصور المشيدة والنمارق الممهدة الصخور والأَحجار المسندة، والقبور اللاطئة الملحدة. التي قد بني بالخَراب فناؤها، وشيد بالتراب بناؤها. فمحلها مقترب، وساكنها مغترب. بين أهل محلة موحشين وأهل فراغ متشاغلين لا يستأنسون بالأوطان، ولا يتواصلون تواصل الجيران على ما بينهم من قرب الجوار ودنو الدار. وكيف يكون بينهم تزاور وقد طحنهم بكلكله البلى، وأكلتهم الجنادل والثرى. وكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه، وارتهنكم ذلك المضجع، وصمّكم ذلك المستودع. فكيف بكم لو تناهت بكم الأمور، وبعثرت القبور "هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ ۚ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۖ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ".

جسد مهفهف ممشوق القوام، يلبس أفخر الملابس والعطور الباريسية ويأكل أجود الطعام خوفًا من المرض، ينام على وسائد الحرير وريش النعام الناعم، ينام على التراب والحصى وبعد سويعات تنتشر رائحته الكريهة بدلًا من رائحة العطر! ما أحقرها من دنيا!

سَلامٌ عَلى أَهلِ القُبورِ الدَوارِسِ * كَأَنَّهُمُ لَم يَجلِسوا في المَجالِسِ
وَلَم يَبلُغوا مِن بارِدِ الماءِ لَذَّةً * وَلَم يَطعَموا ما بَينَ رَطبٍ وَيابِسِ
وَلَم يَكُ مِنهُم في الحَياةِ مُنافِسٌ * طَويلُ المُنى فيها كَثيرُ الوَساوِسِ
لَقَد صِرتُمُ في غايَةِ المَوتِ وَالبِلى * وَأَنتُم بِها ما بَينَ راجٍ وَآيِسِ
فَلَو عَلِمَ العِلمَ المُنافِسُ في الَّذي * تَرَكتُم مِنَ الدُنيا لَهُ لَم يُنافَسِ

يا لطيف ارحم عبدك الضعيف بحق محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله. هانت لو وقفت هنا! إلا أن بعد الحفرة سين وجيم، أسئلة وعقبات بعدها عقبات:

وَلَو أَنّا إِذا مُتنا تُرِكنا * لَكانَ المَوتُ راحَةَ كُلِّ حَيِّ
وَلَكِنّا إِذا مُتنا بُعثِنا * وَنُسأَلُ بَعدَ ذا عَن كُلِ شَيءِّ

اليوم الجمعة، 25 يوليو 2025م، الدعاء بالرحمة لكل أهل العز والجود والكرم والطيب، الأجاويد الذين فقدناهم تحية وسلام. أعزاء غابت أجسادهم وبقيت أرواحهم تحوم حولنا.