أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

من الحاجة إلى الكينونة

إبراهيم آل عبيدي · القطيف اليومالسبت 26 يوليو 2025، 12:22 ص
من الحاجة إلى الكينونة

لم تكن مجرد دورة تعلم ذاتي عن بُعْد (Self-study) وجلسات إشراف كوتشينج (Coaching Supervision) — “إشراف توجيهي” كما تحب د. غادة تسميتها — فحسب، وإنما كانت رحلة تحوّل في المنظور؛ منظور الرؤية للذات، ومنظور لطريقة مساعدة المستفيدين ككوتش (موجه).

إن المفاهيم العميقة التي يحتويها “برنامج توجيه فرق العمل النيوكارزمية” للدكتورة غادة طلال العنقاوي، والحوارات والمناقشات التي دارت بيني وبين الدكتورة غادة أثناء “جلسات الإشراف التوجيهية”، كانت بداية إشعال شرارة التحول في هذا المنظور.

تشبيه الأفراد و”فرق العمل النيوكارزمية” بالشجرة وما يحدث بداخلها من عمليات كيميائية وبيولوجية وما يدور حولها ويؤثر عليها تأثيراً مباشراً وغير مباشر، قادني إلى التعمق في ذاتي، والغوص عميقاً في أفكاري ومشاعري، بل وفي كل ذرة من ذرات جسمي، وتخيُّل العمليات التي تحدث في جسدي، وآثار ذلك عليَّ وعلى سلوكي تجاه نفسي والآخرين الذين أتعامل معهم، بما في ذلك عملائي (المستفيدين) أثناء جلسات الكوتشينج (التوجيه) أو الاستشارات أو التقييم.

التحول الجذري والجوهري الذي حدث لي خلال “برنامج توجيه فرق العمل النيوكارزمية”، والحوارات التي دارت بيني وبين الدكتورة غادة، قادني إلى الانتقال في طريقتي في العمل مع المستفيدين، من التركيز على “تحقيق أهداف مرحلية” إلى التركيز على ما أسميته: التحول في الكينونة.

⸻

• من التركيز على:
“ما الذي تريد أن تحققه خلال رحلة الكوتشينج (التوجيه) معي؟”
إلى التركيز على:
“من تريد أن تكون عندما تنتهي من رحلة الكوتشينج (التوجيه) معي؟”

هذا تحول من الغاية الخارجية إلى الهوية الداخلية؛
“فالنتائج ليست الهدف، بل وسيلة للكشف عن الذات.” – (مقولة من الإنترنت)

• ومن:
“أين أنا الآن بالنسبة لأهدافي؟”
إلى:
“من أنت الآن؟”

أسعى إلى مساعدة المستفيد على تحوّل في المنظور:
من التركيز على تحقيق نتائج وقتية، إلى النظر إلى المعاني الحقة التي يتمنى أن يعيشها، إلى التركيز على العيش المتصل بالغاية الكبرى التي يسعى إليها، إلى رؤية ذاته وقد تحولت إلى ذات تعيش الرضا المستدام.

وهذا يتطلب رؤيةً واضحةً للذات الحقيقية التي يرغب المستفيد أن يكون عليها، رؤية بعين البصيرة لا البصر. حينها، يبدأ برسم ملامح هذه الذات، وكتابة صفاتها وما تمتلكه من قدرات ومهارات وممارسات تقوده إلى السعادة الدائمة.

كل يوم، ومع أول لحظة يفتح فيها عينيه، يبدأ بوعيٍ كامل لذاته، بإدارة أفكاره ومشاعره وسلوكياته، ويحتفل بكل خطوة إيجابية يخطوها، ويرى في تعثره فرصةً للتعلم لا سببًا للإحباط.

إن الانتقال من “الحاجة” إلى “الكينونة” يتطلب جهدًا ومجاهدةً مستمرين، لا من منظور “الضغط لتحصيل التغيير”، بل من منظور الحب والسعادة، والاحتفال بكل خطوة تقربني من “من أكون”.

دوري ككوتش (موجه؛ كما تحب د. غادة تسميتها) ليس أن أقول للمستفيد: افعل أو لا تفعل، وإنما مساعدته على ربط ما يريد تحقيقه بـ “من هو” عندما يحققه.

وهذا في رأيي هو جوهر الجدارة رقم 7 من جدارات الاتحاد الدولي للكوتشينج والتي تنص على:

Evokes Awareness – Definition:
Facilitates client insight and learning by using tools and techniques such as powerful questioning, silence, metaphor or analogy.

الترجمة بتصرف:
“يُثير الوعي – يُسهِّل وصول المستفيد إلى الاستبصار والتعلّم، من خلال استعمال أدوات وتقنيات مثل: الأسئلة القوية، الصمت الهادف، الاستعارات، أو التشبيهات، بما يُسهم في توسيع الرؤية الداخلية واكتشاف المعاني الرمزية والأنماط الكامنة.”

“من الحاجة إلى الكينونة” ليس مجرد تعبير لغوي، بل رحلة وجودية؛ انتقال من حالة السعي لتحقيق أهداف خارجية، إلى حالة تحقّق الذات.
التحول لا يعني أن نصبح شيئًا جديدًا فحسب، بل أن نزيح الغبار عن ذواتنا الحقيقية، ونعيشها بصدق واتصال ورضا.

الكينونة ليست غاية نبلغها ثم نقف، بل وعيٌ مستدام نعيشه… خطوة بخطوة، نفسًا بعد نفس، حتى نصبح “ما نحن”، نحن حقًا، في كل الأوقات.

التحول يبدأ من الداخل، ويُبنى في الداخل، وهناك يبدأ تكوُّن النور الوجداني الذي يتدرج حتى يشعّ إلى الخارج، مع كل خطوة يخطوها المستفيد. حينها ينعكس على كيانه وسلوكياته، ويبدأ الآخرون برؤية أثره بوضوح.

ونختم بما رُوي عن أمير البيان، أمير المؤمنين علي (عليه السلام):
“رحم الله امرأً عرف من أين، وفي أين، وإلى أين.”

وأترككم للتأمل في هذه العبارة القصيرة ذات المضامين العميقة.