أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

من سيكتب عنواني الأخير

السيد ماجد الشبركه · القطيف اليومالأحد 27 يوليو 2025، 1:12 م
من سيكتب عنواني الأخير

كم هو مؤلم أن تجد نفسك أسيرًا لقصص النهاية، رغم أن بدايتك لم تكن مجرد رغبة في الكتابة، بل افتتانًا عميقًا بالحكايات، وارتباطًا خفيًّا بكل ما يرويه الناس عن أنفسهم.

بدأتُ من المنتديات الإلكترونية، ثم عبرت منها إلى الصحافة الورقية في صحيفة الوطن، ومنها انطلقت إلى صحيفة الشرق.

وفي الأثناء، كنت أدير قناة «أخبار المجتمع» في جوال الترجي، حيث كنا نرسل الأخبار عبر رسائل الـSMS، وهي من أحدث التقنيات في ذلك الوقت.

تحوّلت الكلمة حينها إلى جسرٍ حي يصل بين الناس، ويوثّق تفاصيل أيامهم، وأفراحهم، وأحزانهم.

من هذا التراكم، أطلقت صحيفة الخط الإلكترونية، ومعها تطبيق «القطيف اليوم»، ليصبحا منصتين تنقلان نبض المدن والبلدات في محافظة القطيف، وتوثّقان يوميات مجتمع بكلماته وصوره ووجعه وصبره.

كان كل شيء يسير كمسيرة مهنية عادية، حتى جاءت تلك اللحظة التي غيّرت كل شيء.

كان ذلك في نحو عام 2000م، حين كتبت أول خبر وفاة، لم أكن حينها أعلم أنني على موعد مع بداية مختلفة تمامًا.

لم يكن الأمر أكثر من واجب صحفي في جدول مزدحم، لكنها لحظة حفرت أخدودًا لا يُمحى.

منذ ذلك اليوم، بدأت رحلة غريبة جدًا مع الموت، رحلة لم تكن في الحسبان.

سنواتٌ من الكتابة والنعي أيقنتُ فيها أن الساعة أقرب من حبل الوريد، وأننا نعيش على هامشٍ هش من الحياة، لا يستحق أن يقسو بعضنا على بعض.

وتعلّمتُ أن ما نختلف عليه اليوم، قد لا يكون له مكان في ذاكرتنا غدًا، فالدنيا أقصر من أن نملأها بالعتب والجفاء.

وتعلمت أن ما تبقّى من أعمارنا، أحق بأن نملأه حبًّا، ورفقًا، ومسامحةً، فالدنيا قصيرة جدًا لمن يتأملها بعين القلب.

بين كل نعي، كنت أذبل بصمت، تحوّلت كتابة أخبار الوفاة إلى عادة يومية، إلى جانب الأخبار الأخرى.

أدوّن الأسماء، أُحدد مواعيد التشييع، أُشارك خرائط مجالس العزاء.

حتى صار بعض الأحبة يخشون رنّة جوالي، وكأنهم يتهيّأون لسماع خبر رحيل، لا مكالمة عابرة، ما أقساه من أثر حين تصبح رسالتك مرآةً لحزن متوقّع.

كنت غالبًا أول من يعلن الحزن للمجتمع، وأحيانًا كنت الوحيد الذي يُدوّن اسم الراحل ليبقى في ذاكرة الناس، لا طيّ النسيان.

لم أعد أعدّ من رثيتهم، لكنني مع كل اسم أشعر أن جزءًا من روحي يتساقط، وكأنني أحمل النعوش على الورق.

ما كتبته لم يكن مجرد سطر صحفي، بل دمعةً مكتوبة، تحكي الوداع بلغة الحبر والحنين، فالموت أصبح رفيقًا.

رأيت الحزن في صوت أم تخبرني برحيل ابنها قبل أن تُكمل جملتها، وصديق يسألني كيف يكتب عن موت أحبّته، وهو لا يزال يرتجف.

عشتُ مع الناس فواجعهم، صار صباحي لا يبدأ بالأخبار، بل بسؤال صامت، من رحل اليوم، من سنفارق، من سيدفن مع المغيب.

أكتب النعي، وأشعر أنني أشيّعهم بكلماتي، لا أذكر كل الأسماء، لكنني أذكر ذلك الوجع الصامت الذي يتكرر مع كل خبر، كأنني أخطو معهم نحو مقابر الكلمات.

بعد سبعة وعشرين عامًا، أعود لأواجه السؤال الذي لطالما تجنبته، من سيرثيني، من سيكتب عني، من سيختار كلماته كما كنت أختارها.

من سيكتب اسمي بنفس الرقة، من سيبحث عن صورتي، ويشارك موعد تشييعي، ويكتب العنوان الأخير.

أخشى فقط أن يكتَب عني في سطر عابر، ذهب الذي كان يرثي الناس، ولم يرثه أحد.

اللهم، إنك تعلم كم مرة كتبت سطرًا وأنا أعيش مع الفاقدين آلامهم، وأحاول مواساة من لا أعرفهم إلا من خلال الحزن.

اللهم إنك تعلم بأني كنت معهم دائمًا، وكنت أكتب لا لأملأ الفراغ، بل لأخفف شيئًا من الألم.

فإن جاء يومي، فاشهد يا رب أنني ما خذلت أحدًا في وداعه، وما كتبت نعيًا إلا بحب وصدق.

وما فارقت راحلًا إلا وأنا أقول في السر والعلن، اللهم ارحمه برحمتك، واحشره مع محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين، صلوات ربي عليهم أجمعين.

اللهم إن كانت كلماتي آخر ما بقي مني، فاجعلها خالصةً لك، لا مزيّنة بتكلف ولا ملبّسة بتصنّع.