الأمهات.. بريقُ المجتمعات- 1.. فكم هو بريقنا؟

الأم هي المرأة في منتهى الدور الاجتماعي. ليس دورًا حصريًا، نعم، لكنه الدور المدعوم بيولوجيًا تمام الدعم. والقول بأنه “دور اجتماعي” لا يتجاهل البعد الذاتي والنفسي الخاص بل هو منبثق من هناك. فلا يمكن للمرأة أن تظهر وتتمثل دورها الاجتماعي كزوجة وحامل ووالدة وأم وراعية لرضيع دون أن تتجلى ذاتيًا بوعي أو دون وعي. والمرأة قبل وبعد دور الأمومة لها هوية ومكانة وأدوار أُخَر. الأمومة ليس دورها الحصري. فإذا كنا بصدد تعداد الأدوار والأثر فإننا ملزمون بنظرة واسعة النطاق لاستعراض أثر المرأة في المجتمعات ومن هناك رفع أو خفض قيمة المجتمعات عند مقارنتها ببعضها بعضًا.
اليوم أنا أقف عند هذا الاستعراض لقيمة المجتمعات من نافذة عيادتي كطبيب أطفال وتعامل مع الأمهات امتد من فبراير 2005 وعبر 3 محافظات بالمملكة العربية السعودية وطني الحاضن الحبيب. وعملت في القطاعين العام والخاص. وعملت في مستشفيات ومجمعات عيادات. وفي المستشفيات عملت ممارسًا إكلينيكيًا في أقسام الإسعاف والعيادات والتنويم والعنايات المركزة. لم أحصر بدقة كم عدد الأمهات اللاتي قابلتهن خلال 220 شهر عمل قابلتهن واستمعت إليهن حكايات إكلينيكية وفي عالم الطفولة هذه الحكايات حتمًا تلتف بمعلومات اجتماعية. العدد الكلي حتى ساعة كتابة هذا المقال ليس محصور بدقة لكنه يتجاوز 7000 أم. يمكنني القول إن هؤلاء الأمهات كن مصدري المعلوماتي العاكس للخط البياني الممثل للتوجهات الفريدة والاجتماعية، لا سيما في آخر 8 سنوات حيث بدأت مساحة الاستشارات السلوكية للأطفال تتسع حتى أصبحت الآن تستولي على نصف مساحة عملي الإكلينيكي.
بيانات هذا العدد من الأمهات من حيث الفئة العمرية والحالة الوظيفية والتعليمية والاقتصادية والصحية والاجتماعية تسمح لانعقاد المقارنة في سياقات مختلفة لاستنتاجات أولية، ومن هذه الاستنتاجات كنت ولا زلت أقارن ما تستعرضه الدراسات والأبحاث في المجتمعات الأوروبية والأمريكية عن أحوال المرأة والأم خاصة في السياق الاجتماعي العام وكذلك في سياق دورها تجاه الأطفال في طلب الخدمات الطبية والحصول عليها لا سيما في الأمراض والاضطرابات المزمنة عند الأطفال.
المحصول كبير ومصدر استنارة
في مجتمعنا بمحافظة القطيف (من صفوى لسيهات ومن الأوجام لجزيرة تاروت) حيث أعمل لآخر 8 سنوات المرأة ، مع أمومة ودونها، استقبلت وتفاعلت مع المؤثرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على الأقل في آخر 4 عقود شهدتها أنا بنفسي لا نقلاً عن أحد. لم تكن في هذا الشأن المرأة القطيفية بدعًا ولا نشازًا بل كانت ضمن حالة إقليمية شملت نساء العالم العربي كلهن، سبق من سبق ولحق من لحق. حتى بالمقارنة مع نساء وسيدات المجتمعات العربية الخليجية كان هناك تفاوت وسبق عام لا سيما بالكويت والبحرين كمجتمعات نتقاسم معها قواسم ثقافية واجتماعية أكثر. عهدنا الجديد في وطننا الغالي سرع وتيرة المسيرة فتم اللحاق الثقافي والاجتماعي في معظم الشؤون. انفتح الباب للتحول وكل تحول هو تحدٍ والتحدي دائمًا جميل ومشوق لأنه يختبر قدرات وقبل ذلك يختبر هوياتنا وتكويننا. تكويننا كله.
وفيما نحن فيه، يهمنا الآن تكوين المرأة الأم وانعكاس هذا الاختبار على شؤون الطفولة التي يمثل أفرادها 35% على الأقل من السكان ويمثل 100% من مستقبل الوطن. والحال هكذا، ألا يصح أن نتساءل بشوق بالغ عما آلت إليه الأمور في عالم الأمومة والدور الاجتماعي المدعوم بيولوجياً لكل امرأة حتى تناله وتحققه وتزدهر فيه؟
نتساءل، نعم بشوق وحذر لا سيما مع تنامي تحديات متنوعة أمام ازدهار الطفولة ونمو أفرادها نموًا طبيعيًا واصلاً بهم لإمكاناتهم تتمثل واقعًا ملموسًا لا نكس فيه ولا إخفاق. النجاح في كل شيء والفشل في ضمان ازدهار الأطفال، لا يعني شيء.
إن كان يعني لك شيئًا فلا تنتظر الجزء الثاني من هذه السلسلة.



