وسادتي "1"..

وقف مذهولًا، الصدمة جاءت، كسهم في قلبه، ضربة موجعة أصابته مفاهيمه ومبادئه التي جاهد؛ للتمسك بها، عيناه تُحدقان فيهما بعمق، وكأنه يُحاول أن يستخلص من فوضى ذاته تفسيرًا لما يحدث.
في تلك اللحظة، تلاطمت الأسئلة في داخله، والتي يستدعيها الآن، وكأنه أراد أن يعيش حالة الخذلان؛ ليمنحه قوة، تُعينه على مُواجهة ما قد يأتي.
أليس الإنسان يتعلم من تجاربه؟، أليست الصفعات المؤلمة هدايا في كُنه فلسفتها، تُوقظ وعيه، وتمنحه مناعة عقلية وروحية، والتي تجعله بدورها أكثر صلابة في مُواجهة الحياة.
تأخذه الذكريات إلى تلك الأيام، مُتمنيًا أن يملك القدرة على إيقاف عقارب الساعة؛ حتى يتأمل تلك الفترة التي كانا معًا.
في بداية اليوم الدراسي، توجه جاسم إلى الجامعة مُبكرًا، والفرحة تملأ وجهه.
إنها مرحلة مُهمة من حياته، والتي تُشكل مُستقبله الذي يسعى إليه.
كانت القاعة واسعة، ومقاعد الدراسة كثيرة، مما جعل الأجواء مُختلفة تمامًا عن التي اعتادها في التعليم العام.
في المحاضرة، التقى جاسم بأحمد وحسام، أحمد ينتمي إلى نفس القرية التي جاء منها جاسم، بينما ينتمي حسام إلى قرية مُجاورة في مُحافظة القطيف بالمنطقة الشرقية.
وبعد نهاية المحاضرة، توجه جاسم إلى المطعم الجامعي؛ لتناول وجبة الغداء.
مرَّ بخطوات هادئة بجانب البوفيه المفتوح، ينتقي منه ما يُوافق ذائقته، وبعد أن انتهى من اختيار طعامه، بحث بعينيه عن طاولة فارغة؛ ليجلس عليها.
وبينما كان يهمُّ بالجلوس، لمحه حسام، ولوّح له بيده، فانتبه جاسم إليه، وابتسم ردًّا على تحيته، مُتوجهًا إلى حيث هما، يجلسان.
دعاه حسام للانضمام إليهما، فلبّى دعوته، ولم تمضِ سوى لحظات حتى وجد نفسه جالسًا بينهما، يتبادلون الحديث.
وفي أثناء الحديث، سألهما جاسم عن مكان سكنهما، فأجابا بأنهما لم يحصلا على سكن حتى الآن؛ وذلك بسبب عدم وجود بعض الطلاب معهما، فكرر السؤال بصيغة أخرى: "وكيف تأتون وتذهبون"؟، فأجابا بأنهما يُسافران يوميًا من الدمام إلى الأحساء بالقطار، ويحضران المحاضرات، ثم يعودان إلى ديارهما بنفس الطريقة.
تعجب من ذلك، وشعر بالحزن، فأغمض عينيه لبرهة، كما اعتاد حين يريد التفكير، وسرعان ما خطرت له فكرة، فقال لهما على الفور: لماذا لا تسكنا معنا في الشقة؛ حتى تتحسن ظُروفكما؟
ارتسمت علامات البهجة على وجهيهما، وكأن الفرج قد جاء؛ ليخفف عنهما هذه المشقة، فاتفقوا على الذهاب إلى شقة جاسم بعد الغداء؛ ليعرفهما على زملائه هناك.
وعند باب الجامعة، أشار جاسم إلى سيارة أجرة.



