أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الأمهات.. بريقُ المجتمعات – 2.. فكم هو بريقنا؟

د. نايف آل دبيس · القطيف اليومالأحد 3 أغسطس 2025، 1:33 م
الأمهات.. بريقُ المجتمعات – 2.. فكم هو بريقنا؟

الأم هي المرأة في منتهى الدور الاجتماعي. ليس دورًا حصريًا، نعم، لكنه الدور المدعوم بيولوجيًا تمام الدعم. والقول بأنه “دور اجتماعي” لا يتجاهل البعد الذاتي والنفسي الخاص، بل هو منبثق من هناك.

تمر المجتمعات بتغيرات تنال منه كله أو بعض مكوناته، تبدأ من مكوّن وتسري لآخر. هذه التغيرات جدلية من حيث هل هي اختيارية أو قسرية، أو كما يقال: أمرٌ بين أمرين. حيث ثمة تيار تغييري يعبر في حياتنا، ونحن حسب الموقف المتبنى نركب أمواجه أو نحتمي منها إن كان ذلك مستطاعًا.

المرأة والأمومة هي المكون المنظور في هذه السلسلة من المقالات، ودافعي إلى الكتابة هو الاعتبار الكبير والمستحق للمرأة أنها الراعي الأول والأكبر والأهم للطفل. فمن يهتم بشؤون الطفولة لابد له من الاهتمام بشؤون المرأة قبل وبعد سن الإنجاب، قبل وبعد الزواج، قبل وبعد الإنجاب الحقيقي وتجربته المباشرة.

ورغم الدعم التام بيولوجيًا للأنثى لكي تقوم بدورها الحيوي المنتهي بالحمل والإنجاب والإرضاع والوصل الأمومي مع الطفل حتى يكبر ويمتد وصلها به ولو بلغ مبلغ الكبار، هناك مؤثرات ثقافية وفكرية واجتماعية واقتصادية تفعل في هذا الدور الأفاعيل.

لو تتبعنا مسار الأمومة كمفهوم وتطبيق في مجتمعنا، لوجدنا أن تلك المؤثرات بدّلت وطوّرت فيهما شكلًا ومضمونًا. أريد أن أؤجل أي حكم؛ فلا أقل تحسنت أو ساءت أحوالها، وكذلك أريدكم أن تفعلوا، حيث أن الأولى بنا الاستغراق في التأمل في الأمومة دون حكم حتى أبعد نقطة؛ لأن إطلاق الأحكام يوقف الفكر.

الأمومة مفهومًا وتطبيقًا اتخذت شكلها من الدين الذي كان حضوره حضورًا متغيرًا. فلو تكلمنا عن القرن العشرين، حيث وُلدت جدتي في بداياته، ورأيتُ أمومتها وعايشت مخرجاتها متمثلة في والدتي وخالي وخالتي، وأحفادها الذين يتجاوز عددهم 15 حفيدًا وحفيدة، واستمرت أمومتها حتى العقد الأخير من القرن العشرين. ثم والدتي التي جاءت لهذا العالم بعد منتصف القرن العشرين بقليل، ثم والدة أطفالي التي وُلدت في أواخر القرن العشرين وأنجبت أطفالي في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين؛ نجد ثلاثة أجيال من الأمهات تتمثل في كل واحدة منهن.

بين جدتي الراحلة وأطفالي 100 عام. كان للدين وانتشار مخرجاته، والوضع الاقتصادي العام للدولة، والبنية العمرانية في المدينة والبلدة، وانتشار التعليم ومدى حصول المرأة عليه ولأي مستوى كان ممكنًا، أثره في تصدّر مفهوم الأمومة كمعنى وكممارسة، وتلميعه وعرضه في المنصات الفكرية التي لم تكن بحال واحد؛ إذ كانت يومًا مجرد مجلس من مجالس السمر في الحي أو القرية، حتى آلت إلى المنصات الرقمية والتطبيقات الإلكترونية.

كذلك حدث تغيّر نوعي يجب النظر إليه في إطار الحقوق والبعد القانوني الذي أخرج مفهوم الأمومة من حيز الشأن الذاتي إلى الحيز العام المفتوح أمام سلطة القانون. فلم تعد ممارسة الأمومة – وكذلك الأبوة بالطبع – أمرًا يحلو أو لا يحلو لأي امرأة أن تمارسه دون رقيب.

الرقابة اتخذت شكلها القانوني عبر أنظمة وطنية وقوانين:
● برنامج الأمان الأسري – تأسس في 2005
● نظام حماية الطفل – صدر ونشر في 2014
● نظام الأحداث – صدر ونشر في 2018
● نظام مكافحة جريمة التحرش – صدر ونشر في 2018

إذن، ثمة باب قانوني مفتوح يضع ممارسة الوالدية في موضع المراقبة ومن ثم المساءلة. كذلك نحن في منظومة الرعاية الصحية لدينا فروع قانونية تطبيقية إلزامية، يوجب الإخلال بها التعرض للعقوبات المنصوص عليها نظامًا، تجعل من كل ممارس صحي عينًا رقيبة ترصد وتقيم وتوثق وتبلغ عن أي إساءة أو اعتداء على أي طفل يمر بنا.

عند التطرق للنظام والقانون والمراقبة والمساءلة يحق لنا أن نرتبك؛ فقبل قليل كنا نقول إن الأمومة دور بيولوجي طبيعي تتولاه المرأة في سياق أسرة تكونت عبر الزواج، وهذا الزواج تكوّن عبر آلية قانونية مستقاة من الدين، سياق مرحب به ومعزز اجتماعيًا على مدى قرن من الزمان – المدى المنظور في هذه المقالات.

لماذا نرتبك؟ لأننا بدأنا نتناول الأمومة كوظيفة لها محددات ومعايير وحدود ونطاق تطبيقي، إن لم يتحقق فهناك إجراءات يمكن أن تبدأ وتصل إلى نهايات غير مألوفة. وهنا نتساءل عن موقف المرأة الأم فعليًا أو الأم إمكانًا – المقبلة على الأمومة – نتساءل عن موقفها من الأمومة وهي تحت الأضواء، نتساءل عن الأمومة بين الدافع الذاتي والطموح الشخصي للتميز في الأداء وتحقيق مخرجات منقطعة النظير، أو جيدة مرضية، وبين الدافع القانوني المترصد لأي تجاوز موجب للشكوى والتدخل والمحاسبة.

بعد النظام والقانون، يأتي ذكر التيارات الفكرية الناهضة بالمرأة، الدافعة بها نحو مواقف جديدة تجاه ذاتها ودورها الاجتماعي الأكبر – كما يقال – العابر للدور البيولوجي المقيّد – كما يقال أيضًا – والتي تضع ذاتية المرأة فوق كل اعتبار، ومنفصلة عمّا ينتجه ارتباطها بالرجل، أي الزواج. وبالتالي، فإن الدور الثانوي المتحقق من الحمل والإنجاب والتربية هو دور ثانوي وهوية ثانوية، دون الدور والهوية الذاتية – كما يقال – مما جعل المرأة في حالة تنافس شرس داخلي؛ إذ تتنافس أدوارها فيها، والويل لمن تتنافس أدواره فيما بينها داخل نفسه.

وليس هذا التنافس الداخلي بجاعلها محصنة عن النقد الخارجي ومانعًا عنه. ففي ظل عدم استواء حالة اتفاقية تسود المجتمع تجاه مفهوم الأمومة وتطبيقاتها، تجد المرأة الأم نفسها في حلبة يحيط بها مضمار تجري فيه نظرات وصرخات لاذعة، إما مهوّلة أو مهوّنة لما تختاره وتقوم به شكلًا معبرًا عن أمومتها. تجد من يصفق لها إذا اكتفت بإنجاب طفل واحد، وتجد من ينهرها على هذا الإجحاف بحقها وحق أسرتها بأن تكبر، فضلًا عن كيفية إمضاء يوميات أمومتها مع كل طفل.

نعود الآن لمسار الأمومة مفهومًا وتطبيقًا في مجتمعنا على مدى قرن من الزمان، بدأ بولادة جدتي الراحلة ومنتهٍ بالعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حيث تجري هذه الأيام عقود الزواج للفتيات اللاتي وُلدن مع ولادة الإنترنت في مجتمعنا، وصارت المفاهيم الحاكمة عليهن من النشأة الجسمانية مرورًا بالتكوين النفسي ضمن العولمة التي فتحت المواجهة بين ذات المفاهيم من مجتمعات مختلفة ثقافيًا أشد الاختلاف، رغم أن أصول تلك المفاهيم بيولوجية وإنسانية بحتة.

ينبغي للوهلة الأولى القول إن كل البشر متفقون عليها، إلا أننا نكتشف أنها مفاهيم خضعت للعامل الاقتصادي والثقافي أيما خضوع. ومن يملك النسخة الأقوى من تلك المفاهيم فسيكون له الغلبة على المفاهيم الأخرى.

نحن اليوم نعيش مغالبة بين مفهوم الأمومة كما صنعته الأوضاع الاقتصادية والثقافية المحلية في الثلث الأوسط من القرن العشرين، وبين ذات المفهوم كما صنعه التغير في تلك الأوضاع الاقتصادية والثقافية منذ تسعينات القرن الماضي والعقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين، والتي لم تعد محلية على الإطلاق، بل جاءت مسلحة بوسائل الإقناع الخفي تارة والصاخب تارة أخرى، واستدرجت المرأة نحو مأزق الذاتية قبال الأمومة، رغم أن الأفق رحب فكريًا وتطبيقيًا لإيجاد صيغة ذات نغم ناعم تجمع ولا تفرق مكونات النفس الواحدة: المرأة الواحدة، المرأة الأم.