أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الرياح الإلكترونية المسمومة

إبراهيم الزين · القطيف اليومالجمعة 15 أغسطس 2025، 11:51 ص
الرياح الإلكترونية المسمومة

من عادة أخيكم كاتب هذه السطور أن لا يدخل في فحوى مقالهِ مباشرة ودون تمهيد، حيث درجتُ على تقديم توطئة تلفت القارئ العزيز، ثم الدخول في طرحِ المادة.

وهنا أدخل في الموضوع، وأقولها مباشرةً:
احذروا من النصائح والإرشادات والوصفات المجانية التي تتطاير في الفضاء الإلكتروني، تحت عناوين لافتة، تتعرض فيها لأكثر المجالات أهمية للإنسان، مثل المجال الطبي أو النفسي أو التربوي، أو حتى الديني، بل وتغطي معظم شئون البشر، وهو ما قد يقلب حياة الإنسان رأسًا على عقب، فمن طمأنينة إلى اضطراب، ومن رضا إلى سخط، ومن يقين إلى شك ووسوسة، فتتولد معها التقلبات النفسية والاضطرابات العقلية التي قد تُفسد حياة الفرد تمامًا، وربما تؤدي به إلى التهلكة.

نرى يوميًا عبر المواقع الشخصية والعامة، من يُطلُّ على الناس بوجه الخبير، ومن يلبس زيّ الطبيب أو المدرب أو المستشار، ويُطلق أحكامًا وتشخيصات وتحذيرات دون مسؤولية ولا علم ولا وازع.

يخرج أحدهم بملابس طبية، يشخص حالة، ويُطلق تحذيرات، مثل: إذا شعرت بكذا، فربما أنت مُصاب بمرض خطير، فراجع الطبيب فورًا.

وحين يسمع أو يقرأ ذلك إنسان يعاني من عارض صحي خفيف مثلاً، أو ربما يتلقى علاجًا من الأساس، أو هو لا يعاني شيئًا في الأصل، ولكنه سريع التأثر وتتملَّكه الوسوسة، فيدخل في دوامة من القلق والتوتر والافتراضات المرضية المتعددة، وربما يدخل في نفق مظلم من الرعب النفسي لا مبرر له.

تعمدتُ الحديث عن الجانب الطبي أولاً وتحديدًا، لأن الأعراض الجسدية أصبحت ميدانًا مفتوحًا للفوضويين الفضائيين، ولأن الهوس بالصحة صار ظاهرة منتشرة، ويخيل لي أن كثيرًا من الأمراض المنتشرة ليست في الأصل أمراضًا تستدعي القلق، بل حالات عابرة، أو أعراض نفسية، تفاقمت بسبب الفضاء الإلكتروني.

وحتى لو كانت المشكلة الصحية حقيقية، وكان الفيديو لطبيب أو مختص فعلاً، فإن الحل لا يكون أبدًا عبر فيديو قصير، أو منشور سريع، بل تحت إشراف مباشر من مختص موثوق، يعرف حالتك، وتاريخك، ونفسيتك، ويملك أدوات التشخيص والعلاج.

وليس الأمر مقتصرًا على الجوانب الصحية فقط، وهو ما نتعرض له ثانيًا، حيث يتعدى ذلك حتى لسلوك الإنسان وتعامله اليومي مع الناس، ومع نفسه أيضًا.

فتجد مثلاً منشورًا أو مقطعًا صوتيًا أو مرئيًا ينتشر بسرعة، يقول فيه أحدهم مثلاً: إذا عاملَك إنسان بجفاء أو لم يرد على رسائلك، فاعلم أنه لا يستحق وجودك، فلا تُعطه من اهتمامك شيئًا، وعامله بنفس المعاملة وأكثر. أو أن تمر على الإنسان فترة فتور أو خلاف مع آخر، فيسمع أو يقرأ من الكلام ما يجعله يتصلب في موقفه السلبي دون بصيرة وروية.

وقد يبدو هذا الكلام منطقيًا في ظاهره، ويلامس مشاعر من يعاني من برود العلاقات أو فتورها، لكنه يحمل في داخله دعوة مبطنة للتصلب والعدوانية، لا للنضج والحكمة والتفهم.

وهكذا، يتأثر البعض بهذه العبارات وكأنها قانون حياة، فيبدأ في قطع العلاقات، وتجميد العواطف، والحذر غير الواقعي، مما يسبب سوء الظن بالناس، وهو يعتقد أنه بذلك يحمي نفسه، بينما هو في الحقيقة يخسر توازنه العاطفي ووزنه الاجتماعي، ويُفسد ما كان يمكن إصلاحه بالحوار أو الصبر، أو تقدير ظروف الآخرين.

والنتيجة الحتمية لذلك هي انهيار العلاقات، وشكوك تتسلل إلى العلاقات والصداقات وربما إلى الأسر أيضًا، ثم عزلة تتسع دون أن يشعر الإنسان بخطورتها إلا بعد فوات الأوان.

ليست كل نصيحة موجهة إليك، ولا كل كلام محفّز نافع لك بالضرورة، فبعضها لا يزيدك إلا جفافًا وجفاء، وبعضها يُفسد صفاءك مع الناس ومع نفسك، لهذا تجب الحيطة، ويلزم الحذر ألف مرة، ولا يعني ذلك المقاطعة القطعية للفضاء الإلكتروني، فهناك من الفوائد ما يناسبنا، ومن المنافع ما يفيدنا، وما علينا سوى استشارة قلوبنا وعقولنا، فلا أحد أدرى بنا منا، فنحن بأحوالنا أخبر، ولذواتنا أقرب.

ليس كل من ارتدى المعطف الأبيض طبيب، ولا كل من تحدث بثقة خبير، ولا كل ما يُعرض مجانًا هو نافعٌ حتمًا، العقل زينة، والتوازن واجب، والرجوع لأهل الاختصاص ضرورة، والهواتف النقالة ليست عيادات، والميديا ليست قاعات محاضرات، وندوات تعرض بالمجان.