صافرة العطش

لم يكن الانقطاع خبر عابر في نشرات التحذير فقد كان صنبورًا يتوقف عن إرسال الحياة إلى البيوت، إلى المطابخ والحمامات والخزانات.
مياه مصلحة المياه، التي اعتاد الجميع أن تأتي في موعدها لتملأ الأسطح وتروي تفاصيل النهار، غابت فجأة ولكن بإعلان، فارتبك البيت، وتوتر الحي، وارتدت الأزمة إلى كل مكان يعتمد على هذا الضخ… حتى وصلت إلى قلب نادي البلدة الرياضي.
كان الموعد ليلًا ولكنه سبق موعده، والعطش يدغدغ كبده على مهل، وكأن الليل نفسه يتوجّس من مواجهة العطش قبل بزوغ الشمس، خلف ستارة رقيقة من الغيم، بدت كمن يعرف أن الأرض على موعد مع يومٍ طويل بلا ماء.
في البيوت، الصنابير بدأت تسعل، والخزانات ردّت بصمت ثقيل.
طفل يمد يده للولف "الحنفية"، يسمع الفراغ بدل الخرير، وأمّ تهمس لنفسها: “ليتنا ملأنا الدلو البارحة.”
وفي قلب الحي، كان نادي البلدة الرياضي يواجه عطشًا من نوع آخر.
الملعب الأخضر، الذي طالما شرب من عرق لاعبيه وريّ من مياه الشبكة العامة، بدأ يمد عنقه نحو السماء، يسأل ببراءة طفلٍ: “أين غيمك يا أمّي؟”
حاول اللاعبون التدريب، لكن حرارة الشمس سبقتهم، تسرق رطوبة أجسادهم قبل أن تُسمع صافرة البداية.
العرق الذي كان يجد طريقه إلى مياه دش السباحة صار يجف على الأكتاف مثل وشم من الملح، حتى الكرة نفسها بدت أثقل من المعتاد، وكأنها تفهم أن الأرض عطشى.
اجتماع بلا شاي
في غرفة الإدارة، جلسوا حول الطاولة، والوجوه أكثر جدية من أي اجتماع فني.
حاول أحدهم أن يخفف وطأة الموقف، فقال: “صرنا مثل بعض الفرق الأوروبية… نلعب بلا جمهور وبلا ماء!”
ضحكوا… لكنها كانت ضحكة قصيرة، ارتطمت بجدار الأزمة وعادت بلا صدى.
ثم بدأ التخطيط:
– “خزان استراتيجي تحت الأرض… يكفينا أسبوعًا على الأقل.”
– “عقد مع مزوّد مياه دائم… يحمينا من جنون سوق الوايتات وقت الأزمات.”
– “استثمار أسطح النادي في جمع مياه الأمطار… حتى القطرات العابرة لها قيمة.”
– “التواصل مع البلدية… لنكون ضمن أولوية الضخ عند الطوارئ.”
قال الرئيس في نفسه وهو يقلب الأوراق: “إن لم نحفظ ماءنا… لن نحفظ ماء وجوهنا.”
المباراة ضد العطش
في اليوم التالي، كان المشهد أشبه بمباراة حقيقية، لكن الخصم لم يكن يرتدي قميصًا بلون مختلف… كان العطش نفسه.
المدرب يصيح: “تحرّكوا أسرع… لا تتوقفوا!”
لكن في عيون اللاعبين سؤال واحد: “هل سنجد ماءً بعد التمرين؟”
تحت المدرج، كانت عبوات المياه تُحمل إلى الخزان الاحتياطي وكأنها كرات ذهبية.
والجمهور القليل الذي حضر، لم يصفق لهدف، بل صفق لعبوة تُملأ.
مشهد من المدرج
جلس أحد المشجعين القدامى في الظل، عصاه بين يديه وابتسامة لا تغيب.
رأى اللاعبين ينقلون عبوات الماء، فلوّح بيده قائلاً: “يا شباب… عطش الملعب نسقيه بالماء، أما عطش الجمهور… فلا يسقيه إلا فوزكم.”
ابتسم القائد وقال في سره: “هذا الرجل يعرف اللعبة أكثر من كل اللوائح.”
ضحك الجميع، وهذه المرة… كانت الضحكة مثل رشفة باردة في ظهيرة حارة.
أمل بقطرة أمل
الأزمة لم تنتهِ، لكن النادي خرج منها بدروس أغلى من الذهب: أن من يحسن إدارة قطرة ماء، يستطيع أن يدير مجرى مباراة كاملة.
وفي تلك الليلة، حتى وإن بقيت الصنابير صامتة، ظلّ في القلوب نبع صافٍ يردد: “إن عطشنا، سنروي أنفسنا… وإن عطش الملعب، سنزرع الغيم بأنفسنا.”
لكن الحقيقة التي لا بد أن تبقى في الذاكرة، أن هذه الأزمة ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة إن لم تُدار الأمور بحكمة ودراية.
إنقاذ الماء مسؤولية مشتركة، تبدأ من مصلحة المياه بتأمين الضخ المنتظم، ولا تنتهي عند وعي الأهالي في ترشيد الاستهلاك.
فالماء إذا غاب، لا يعطش ملعب أو بيت فقط… بل يعطش وجه البلدة كلها.



