أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

وسادتي.. "3"

جمال الناصر · القطيف اليومالأحد 17 أغسطس 2025، 9:50 م
وسادتي.. "3"

في المساء، توجه مع رفيق دربه أنور إلى إحدى المطاعم؛ لتناول وجبة العشاء، وبعد ذلك إلى المقهى؛ لارتشاف المشروبات الساخنة، القهوة العربية، والشاي المخدر.

أنور رفيقه الذي قطع معه سنوات دراسته، إلى وصولهما للجامعة، وحيث احتضنهما مكان واحد، هما أتقنا لغة الملامح، ولغة الغياب؛ لتجمعهما في أيّ لحظة معًا، أو مبتعدان تحت قاعدة الأمكنة، وإشراقة الأزمنة، كانا يحُسان ببعضهما، وكأنهما جسد واحد، تُشعله روح واحدة.

انزعج أنور من قراره بترك الدراسة الجامعية، وفي المقهى، ورائحة القهوة، تطبطب على جاسم لحظات التفكير المُرتقب لشيء ما.

دار الحديث باتساع القلب، لم يكتفيا بالوقوف على الجانب العاطفي، والمتمكن من ذات جاسم وعقله، وأنه ينبغي أن يقوم بالتضحية بمستقبله؛ لإنقاذ الاسرة من الضياع والجوع.

خالفه أنور على قراره، مفتخرًا برفيقه على هذه الروح المسؤولة، والمعجونة بالإنسانية، ولكنه أعاد إلى عقله رشده، مذكرًا إياه بطموحة أن يدرس التخصص الذي تمناه، وهو اللغة العربية، إضافة إلى أن يكون كاتبًا، يعقد قرانه على الكلمات؛ لينجب من أفكاره ما يُضيء العتمة، ويفتح النافذة؛ لاحتضان الثقافة عبر شفافية الضوء الخافت، والمنبعث بحب الإنسان.

خاطبه مُصوبًا معانيه إلى رُوحه وقلبه، مُستخدمًا تقنية السؤال؛ ليُشعل شمعته، قبل أن تذوب فيها.

يا جاسم، أليس الله، هو خالق الإنسان، وهو المُدبر، والمُنعم، ذو الرحمة الواسعة، وهو الذي يسمع أنين المُتعبين، مُفرج الهم والكرب، وهو اللطيف الخبير؟

يا جاسم، أليست هذه الدنيا دار ابتلاء؟، أليس الإنسان، ينبغي أن يكون صابرًا، يتسربل بالصبر الجميل، هذا الصبر الذي يجعل الإنسان مطمئنًا بقضاء الله وقدره؟

يا جاسم، هل تجد أن قرارك بترك الدراسة الجامعية، قرار صحيح وناجع؟، وهل والدك سيكون سعيدًا، إذا أخبرته بذلك؟، وبالنتيجة، ماذا ستقدم له بعد تركك الدراسة؟

يا رفيق الطموح، كُن واثقًا بأن الأمر سيكون طيبًا، وسوف يستطيع والدك تأثيث وضعه بشكل مُناسب، وقبل كل هذا، فإن الله رحمته واسعة، فاسأله بقلب مُفعم بالرضا والأمل، أن يُفرج هذا الكرب، أن يُبلسم هذا الجرح، أن يفتح لوالدك طريقًا أخضرًا، من خلاله يُرمم كل ما يُصيبه، لهذا الأمر.

يا رفيق الطموح، فكر جيدًا، وتجرد من العاطفة، غدًا سيكون الأجمل، لا تفقد ثقتك بنفسك في أول مأزق، ولا تتعثر خطواتك باتجاه حلمك الذي نسجته.

وفي هُدوء الوقت، يسترجع من الذكريات تلك المآسي والمواقف التي حدثت له، وكيف استطاع تجاوزها؛ ليلمس لُطف الله، ويُبصر حكمته، الآن، يُحدق في ذلك المنظر، والذي يجد فيه أنه في مساء التخرج من الجامعة، في الاحتفالية التي تُقيمها لكل دُفعة من الطلاب، هؤلاء الطلاب الذين هم أمل المُستقبل، والذين سيدخلون حدائق العمل؛ ليُقدموا ثمرات ما تعلموه، وينسجون جداولًا من الصفاء والعطاء؛ لترتوي الأرض، وتُزهر، وتُثمر.

هم الذين يُساهمون في بناء الأجيال بالعلم والمعرفة، الآن، جاسم يشعر بشيء لأول مرة يتفاعل معه كل حواسه، وكأنه ليس هو، شخص آخر، أراد أن يتلبسه؛ ليُخرجه من شتات أفكاره، ونُفور مشاعره.

وبعد تلك الليلة، عدل جاسم عن قراره، مُتوكلًا على الله، وداعيًا لوالده بالفرج، وترتيب وضعه؛ لتعود الأسرة إلى البهجة والاستقرار، والاطمئنان.