ليلة مع أخي المرحوم ملا أحمد واللصوص!

في إحدى ليالي الصيف الحارة كنا ننام فوق سطح فندق في مدينة النجف الأشرف، أظنها كانت في أواخر الثمانينيات، أو أول سنوات التسعينيات الهجرية، أواخر الستينيات الميلادية، لأنني لم أزل طفلًا لم أبلغ الحلم بعد.
نسمات الهواء تهب جافة فوق السطح فنمت غير عابئ بأي شيء ونام أخي المرحوم ملا أحمد قريبًا مني. بعض التفاصيل لا أذكرها بدقة لكن عندما صحوت من النوم كنت في الغرفة وليس فوق السطح.
أخبرني أخي المرحوم أنه سمع شبانًا يتسارّون بينهم يخططون لسرقتنَا والاعتداء علينا في الليل. هكذا هم السراق يمارسون حياتهم الخاصة في الظلام، يمارسون الظلم والسرقة. لا أعرف كيف نزلت من السطح إلى الغرفة، لم أتذكر ولكن الله سلّم. من المحتمل أنهم لم يكونوا من النجف إنما عابرين من منطقة أخرى!
أحيانًا يكون الفقر والعازة دافعًا إلى السرقة وأحيانًا حبّ الجريمة والسطو على ممتلكات الآخرين، نفس شريرة لا يردعها إلا الخوف من العقاب. نفس شريرة تبحث عن الضعفاء وتسرق ممتلكاتهم.
كيف ترخص يد السارق بعد أن كانت ثمينة:
لا أدري كم كان السراق سيربحون من سرقتنا فلم يكن معنا الكثير من المال والعقاب واحد. استنكر أبو العلاء المعري قطع يد السارق إذا سرق عدة دراهم، فقال:
يدٌ بخمسِ مئينٍ عسجدٍ وديتْ
ما بالها قُطعت في ربع دينارِ
تناقضٌ ما لنا إلا السكوت له
وأن نعوذَ ببارينَا من النارِ
أجابه الشريف المرتضى، علم الهدى، رحمه الله تعالى على اعتراضه فقال:
يدٌ بخمس مئينٍ عسجدٍ وديت
لكنها قطعت في ربع دينارِ
عزّ الأمانةِ أغلاها، وأرخصها
ذلّ الخيانة ، فافهم حكمةَ الباري
أي أن دية اليد خمسمائة دينار من الذهب حين تكون شريفة وأمينة، وعندما تسرق فإنها تصبح عديمة القيمة، ربع الدينار يصبح أغلى منها، هذه حكمة الله سبحانه وتعالى.
عالم مليء بالسرقات المتجددة:
تتعدد السرقات التي تستهدف الفئات العمرية الضعيفة ومنها سرقة الهويات Senior Identity Theft فمثلًا في الولايات المتحدة الأمريكية يمكن أن تحدث سرقة الهوية لأي شخص، لكنها تُشكل مصدر قلق بالغ لكبار السن. تسببت سرقة الهوية للأمريكيين الذين تبلغ أعمارهم 60 عامًا فأكثر في خسائر مالية بلغت 3.4 مليار دولار أمريكي في عام 2023 وحده، وهي خسائر تفوق بكثير أي فئة عمرية أخرى.
هكذا يُسرق الضعيف الذي يملك القليل والسراق يعيشون اغنياء مترفين! سرقة الأعضاء البشرية بطريقة أو أخرى، الهويات، النصب والاحتيال، الغشّ، السيارات، الهواتف، البيانات الشخصية، سرقات أدبية، الدنيا عامرة بالسرقات "الذكية" وكأنها ساحة حرب وقتال يسرق القوي الضعيف، سرقات باسم "الشطارة".
نشكر الله سبحانه وتعالى حيث الأمانة عندنا لها قيمة عالية، لكن الحذر واليقظة فضيلة أينما نكون لأن الشيطان يضع قدمه في كل مكان. رحم الله أخي المرحوم كان يقظًا حذرًا في أسفاره.



