الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

وسادتي.. «4» والأخير

جمال الناصر · القطيف اليومالأربعاء 20 أغسطس 2025، 10:26 ص
وسادتي.. «4» والأخير

الساعة الآن، الثانية عشرة بعد منتصف الليل، هذا الوقت الذي يكون فيه وحيدًا، حيث إن زملاءه، يتوجهون إلى النوم للاستيقاظ مُبكرًا، الغريب قد يبدو في شخصيته أنه يُحب الجلوس مُنفردًا مع ذاته، لم يكن هذا الجلوس ناتجًا عن مرض نفسي، أو عقدة من شيء ما، ولكنه نابع من الرغبة العارمة؛ لأن يختلي بنفسه.

يقرأ رواية أدبية حينًا، أو يتخذ من التلفاز أنيسًا، ينتقل من خلاله إلى عوالم، سواء أكانت ثقافية عبر مُحاضرة، أو لقاء ما، أو درامية عبر أفلام أو مُسلسلات لها عنصر اشتراك عمَّا يعانيه، ويتوافق مع توهجه الثقافي، وحالته النفسية.

كانت تمرُّ بجانبه، أحسَّ بوقع خُطواتها، مع أنها لا تُحس، ولا يسمع لها صوتًا، فكيف استطاع الإصغاء إليه؟! هو التجرد الذاتي من كل شيء محسوس، وكأنه يُصغي إلى الأشياء التي لا يصدر منها صوت، أو أثر.

في العادة، وتحت وقع هذا التفرد الذاتي، كان كثيرًا ما ينظر إلى الخطوط، والتشبع اللوني في السجاد -الموكيت-، الذي يجلس عليه، يُحدق بعمق، يُعيد تشكل هذه الخطوط، هذا التشبع، أحيانًا ينسج قاربًا في وسط البحر، وأخرى يرسم وجه رجل بائس، طاعن في السن، قد تجلد في الحياة مما جعل قسوتها، كعلامة فارقة على ملامحه، أو كوجه طفل، يُعيده إلى أيام طفولته، وكيف أصبحت أيامه الآن.

إلا أنه الآن، لم يُحدق في هذه الخطوط، ولكنه يُمعن النظر في هذا العنكبوت الذي يمشي ببطء، عيناه، تُراوحان يمينًا وشمالًا، لا يُصيبه الملل في ذهابه وإيابه، حاملًا ما هو أشبه بالطعام.

الضعف والانهزام، وعدم الثقة بالنفس، وعدم الاستفادة مما يختزله الإنسان من قُدرات وإمكانيات، وهبها الله في الإنسان، فإنه لن يستطيع الحبور في هذه الحياة، وسيقبع في زاوية متأخرة، ولا يتقدم قيد أنملة.

بهذا الهمس، يُحاول أن يشحذ همته، أن يُشعل الصبر، كمصباح يخترق الظلام، ويبعث الماء العذب في روحه كلما انتابها الترهل، أو أصابها داء الركود.

كان وقتًا، أراحه كثيرًا، وسافر به حيث المكان الذي يهوى، ثمَّ توجه إلى النوم، كانت الساعة قد شارفت عقاربها على الثانية فجرًا.

التخرج في الجامعة حلم كل طالب، والوقت بالنسبة إليه، يُقاس بالجهد والاجتهاد، في هذا العام، سيتخرج جاسم، وذلك في الفصل الدراسي الثاني، حيث لم يبق على الفصل الأولى سوى شهر.

وبعد العشاء، هو وزملاؤه جالسون، يرتشفون الشاي، وإذا به يتفاجأ بدخولهما، مشاعره تتصارع، وبان ذلك على صمت ملامحه، تجمدها بلا فعل، سوى أنه مدَّ يديه مُسلمًا، ومُرحبًا بهما، في هذه اللحظة استحضر ما كان، وحالة الذهول مما جرى، وعدم معرفته السبب، فما أصعب أن تتعرض لشيء ما، يُوجع قلبك دون أن تعرف السبب، وهذا يُزيد من وجعك.

طلب منه حسام أن يدخلا إلى حجرته؛ لأمر مهم.

أطرق برأسه، وجنتاه الاحمرار يتزاحم في مساماتهما.

نظر إليه جاسم، وعيناه كسؤال لحوح ينشده البوح.

لا أعلم السبيل إلى البوح بما في قلبي، فاللغة أجدها لا تسعفني، ولكني سأقول: إنني خجل جدًا منك، فقد هجرتك كل هذه السنوات بلا سبب، أشعر أني مُتجرد من الوفاء، يُؤنبني ضميري، يُوجعني هذا التأنيب، لم أقابل لطفك، وإحسانك إليَّ كما يجب، أنت أكرمتني، واحتضنتني بكل لطف، وأنا ماذا؟!، لقد قابلتك بالجفاء.

لكل شيء نهاية، وها أنا سوف أتخرج قريبًا، ولم أستطع تقبل نفسي دون الاعتذار لك، وأعلم أني تأخرت، وسببت لك الألم والحيرة لما صدر مني تجاهك، فأرجوك تقبل عُذري، وسامحني على تقصيري معك.

أمسك بيديه، رفع رأسه، حدَّق في عينيه، أشرقت ابتسامته، كحنان دافئ، وخاطبه بلغة الرؤوف على أخيه:

لا بأس عليك، أصدقك القول أني في البداية قد تألمت، فلم أتوقع هذه المعاملة، ولكني مع مُرور الوقت، جلست معي نفسي أفكر، أيقنت حينها أن الإنسان عندما يُقدم الخير والطيب إلى الآخرين، سعيًا في قضاء حوائجهم، فإنه لا ينتظر مُقابلًا، وربما يلقى الإساءة والجفاء، لهذا تشبعت روحي بالطمأنينة.

الله يوفقك، ويجعل طريقك أخضر، مُزدهرًا بكل جميل، فلا تُقلق نفسك، وتُتعبها، وإن كان لابد من المسامحة؛ لتستريح، فإني قد سامحتك منذ أربع سنوات، سامحتك من قلبي وروحي، وعقلي، وإن أردت الحقيقة، فللأمانة ليس لي حق عليك إطلاقًا، كل ما في الأمر أني قُمت بما ينبغي أن أقوم به، فلو كُنت أنت في مكاني، فإنك ستقوم بما قُمت به.

يا أخي، إن الله يضع الأسباب، والتي من خلالها تقضى حوائج عباده، ويا لها من سعادة لا تستطيع الكلمات أن تصفها، وذلك عندما يوفقك الله؛ لتكون أنت السبب في قضاء حوائج الآخرين.

شدَّه من يديه، وقفا، تعانقا، وخرجا؛ ليجلسا مع زملائهما، والقلب مفعم بالراحة والاطمئنان.