تاروت الجزيرة الخضراء ومرفأ الأزمنة

سعدت بقراءة هذا السفر لأستاذ اللغة البروفسور أحمد محمد المعتوق. فالقراءة لهذا السفر المميز هي رحلة تاريخية على شكل حكاية بصوت شاعري يقودك فيها الكاتب إلى أعماق ما يقارب المائتي عام من التاريخ في دهاليز جزيرة تاروت. الجزيرة التي عشقها الكاتب وأخذ يسترجع ذاكرته السبعينية مستندًا على مرويات والده الشفهية العلامة الشيخ محمد تقي المعتوق الذي عاش رحمه الله لما يقارب المائة عام، وهو بحكم موقعه وحيثيته الدينية والاجتماعية كان له واسع الاطلاع والمعرفة، فهو أيضًا ابن هذه الجزيرة، كما شكل خال الكاتب المرحوم الحاج علي بن إبراهيم التاروتي جزءًا مهمًا من ذاكرته، فخاله هو أحد وجهاء جزيرة تاروت وهو رجل أعمال وشخصية مهتمة بالشان الاجتماعي وهو أحد الأشخاص المعروفين باهتمامه بالآثار والتراث، ولعله هو أول تاروتي يهتم ويعرف على نظاق واسع باقتناء مجموعة كبيرة من النفائس الأثرية.
جاء الكتاب ككاميرا تليفزيونية تنقل وتحكي لنا صورًا مباشرة لموقع جزيرة تاروت ومكوناتها بالصوت والصورة متحركة في كل تفاصيل الجزيرة لحقبة سابقة من الزمن، ويضيف للكتاب أهمية خاصة الرصيد المعرفي الذي يمتلكه ويعتمد عليه الكاتب. لقد وثق الكاتب الكثير من الأسماء الشعبية للعيون والشخوص والمواقع والعديد من تفاصيل حياة الناس وأسلوب معيشتهم، وهي تفاصيل لا يعلمها إلا تاروتي قديم ومهتم أيضًا بهذه التوثيقات. حيث يتنقل الكاتب في تسمية ووصف ما فوق الأرض ليتنقل بعدها للحديث عما أسفل ذلك أيضًا، ولم يغب عنه أن يوثق حتى تلك الأساطير التي كانت متداولة في الجزيرة منذ 200 سنة حسب ما يفهم من سرده.
نظرًا لسعة اطلاع الكاتب، فقد استخدم أسلوب المقارنة بين كل عنصر موجود في جزيرة تاروت، مع ما يقابله أو يماثله من عناصر أخرى موجودة في مناطق أو دول أخرى، مع تبيان الفوراق بينهما. كذلك لن يجد القارئ عناء في معرفة معاني بعض الأسماء والمصطلحات، فقد وظف الكاتب مجال تخصصه في شرح وتبسيط العديد من الأسماء والمصطلحات التي قد تكون غامضة لبعض القراء. لقد ضم الكتاب ضمن فصل الظواهر والأحداث توثيقًا مفصلًا ونادرًا لقصة أثارت جدلًا واسعًا حولها بين فريق يثبتها وآخر يشكك في صحتها وهي قصة الضابط الروسي المعروف بـ عبدالله الروسي أو عبدالله النصراني. وكذلك قصة الضابط العثماني “كريموه” ولعل هذا أول كتاب يوثق هذه القصص التي كان ومازال يتداولها الناس شفاهة.
خلال قراءتي للكتاب تذكرت العديد من الشخوص التي تمنيت أنها قد قرأت هذا الكتاب قبل أن ألتقيها، فالكتاب يفتح نافذة بانورامية وتفصيلية أيضًا، يطل من خلال القارئ القريب والبعيد ليرى بعض التفاصيل الدقيقة عن الحياة في الجزيرة (قديمًا) كما يرى التضاريس المكانية والزمانية لها، فهو على أقل تقدير توثيق رصين للسردية الشعبية لآخر 200 سنة، وقد زاد توثيق الكاتب ومنطقه تماسكًا قوة هذه السرديات التي مازال بعضها محفوظًا في الذاكرة الشعبية.



