الأمهات بريقُ المجتمعات.. فكم هو بريقنا؟ -4- الأخير

الأم هي المرأة في منتهى الدور الاجتماعي ليس دورًا حصريًا، نعم، لكنه الدور المدعوم بيولوجيًا تمام الدعم والقول بأنه “دور اجتماعي” لا يتجاهل البعد الذاتي والنفسي الخاص بل هو منبثق من هناك.
ختمت مقالي السابق -جزء 3- بالعبارة التالية:
"في مثل هذا الزمن لا بد من استيقاظ كامل ونظر جاد، وجهد جمعي وعمل مشترك لتعود الأمومة لأشد بريق لها لكي نقول عن مجتمعاتنا: أمهاتنا بريق مجتمعاتنا الحقيقي، الأول والأخير لن نتمكن من شطب تاريخ طفولة كل أم ومعالجته من جذوره لكي تصبح أمًا أفضل، لكن يمكن لكل أم أن تقف بشجاعة لتعترف، لنفسها أولاً، أنها تعرضت للكثير أو القليل لكنه كان جارحًا بعمق وقد خلّف في تكوينها النفسي جدرانًا مائلة، أو غير مكتملة البناء، ثم تتشجع ثانية ًلتطلب المساعدة وأنا هنا أسجل فخري البالغ بأمهات كثيرات نلن وسام الشجاعة الأول والثاني وحققن الانطلاقة في مسيرة إصلاح أمومتهن والقيام بدورهن بالغ الأهمية".
وبعد أن ظهر لنا تحالف أسباب ضعف الأمومة ضد المرأة مما يدور حولها إلى ما يدور داخلها من ماضيها الممتد إلى طفولتها، وماذا لقيت وسمعت، ما تكون فيها جدران الصلبة وأخرى مائلة، بعضها مكتمل البناء، وأخرى لم تكتمل.
فما رسم لها صورة عن نفسها ربما لا تعكس لها حقيقتها البيولوجية التي كتبت بيد الإرادة الإلهية: أنها أنثى تحمل أسباب الأمومة كاملة.
من ذلك الماضي، إلى هذا الحاضر الذي يحاصر المرأة ويصنع الحواجز التي ترتفع وترتفع وثم لا يستطيع تجاوزها إلا قليل منهن. حاضر المرأة نحاصر في مفاهيم الحركة النسوية، التي قد لا تصلح كلها أو قد تكون معروضة بصورة ملتبسة، ومرة أخرى تحاصر المرأة في مفاهيم الحركة الدينية، التي أقول أيضًا قد تكون معروضة بصورة ملتبسة وأخيرًا وليس بالأقل أهمية، قد تكون الحركة الاستهلاكية الخالية من أي جوهر فكري أو إطار إيماني محدد هي التي تصطنع توجهات المرأة والمجتمعات المحيطة بها، وهي توجهات لا حق فيها ولا منفعة إلا ما تصوره يد الإعلام والدعاية، وترسمه منصات التواصل الاجتماعي وتنشره خوارزميات اللصوص الجالسين خلف لوحات التحكم في تلك المنصات.
في هذا الحصار الداخلي والخارجي، تبقى المرأة رهن قدرتها الذاتية على النجاة والخلاص، واتخاذ الموقف الإنساني العقلاني والنبيل، المتناغم مع هويتها الأصيلة غير المشوهة.
فهل تكفي هذه القدرة الذاتية؟
لو كان الغريق قادرًا على النجاة لما غرق.
تحتاج المرأة إلى منظومة -بل كلنا بحاجة- منظومة اجتماعية،
تصون وتعزز،
وتقوي، وتنشط
وتحفز القدرة الذاتية…
لدى المرأة.
المرأة ليست بحاجة لمن يقرر عنها ولا إلى من يتحدث نيابة عنها، ولا إلى من يصادر حريتها، ويوجه حركتها. المرأة مستودع الأسس البيولوجية والنفسية لتكون مصدر الأمومة والحب والعطاء والرعاية والدعم والمساندة ليس الأطفال فحسب، بل أزعم أنها الدعم التام لكل مكونات المجتمع تلك المنظومة الاجتماعية.
ينبغي أن يعكف جمع من الخبراء لصياغة نموذج عمل، نموذج عمل تتخذه المنظومة يحقق مخرجات جيدة وسريعة. على أولئك أن يكونوا خبراء في مجال التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع، أطباء النساء، أطباء الأطفال، أطباء الأسرة، وكذلك خبراء الاقتصاد حتى نضمن أن نموذج عمل المنظومة الاجتماعية الجديدة داعم ومحفز ومعزز للمرأة، وفيه قوة علمية عملية تعمل على القضاء على كل أنواع التحديات المحدقة بأمومة المرأة هيا، إلى العمل.
ومن هذا السياق يجب النظر في موارد المجتمع التي يمكن أن نستنجد بالعلوم والعلاجات النفسية وكذلك بالبناء الروحي من مصادره الدينية القويمة المعتبرة. ولكن يجب التنبه للعوائق التي تصدر عن تحصيل المكتسبات والمنافع من هذين المجالين: الديني والنفسي.
عندما نقف اليوم لتقييم مكتسباتنا كأفراد من الموارد الدينية والنفسية، يجب الاتفاق على مؤشرات ترصد هذه الاكتساب والاتفاق على حدود ومستويات لهذه المؤشرات تدلل على المستوى المرضي والكافي. وكذلك يجب رصد مواقع تحصيل تلك المكتسبات والموارد:
الموارد:
الكتب بأنواعها الورقية والإلكترونية.
الخطباء في موسم عاشوراء
ما يسمى الحوزات العلمية أو الدروس المنتظمة للرجال والنساء
أئمة المساجد ومجالس ودواوين علماء الدين
علماء الدين الذين يتلقون اتصالات ويقدمون مشورات فردية
المعالجون النفسيون والأطباء النفسيون في القطاع العام والحكومي
المرشدون في مراكز الإرشاد الأسري
المواقع الإلكترونية التي تقدم المشورة والعلاج النفسي والإرشاد الأسري
ربما يكون لدى البعض من الأفراد فرص الاستفادة من الإرشاد الطلابي بالمدارس والجامعات
عند هذه الموارد نقف لنضع مؤشرات التحصيل منها، تحصيل أفراد المجتمع منها، حتى نستنتج نوعية وكمية البناء المتوقع من المادة التي حصلوا عليها. وهنا بالتحديد نخص المرأة من بين أفراد المجتمع ونريد أن نستنتج نوعية وكمية البناء المتوقع نفسيًا وروحيًا وفقًا لمؤشرات التحصيل لديهن من الموارد التسعة المذكورة أعلاه.
كما تعلمون أن المؤشرات يمكن أن أن تكون في البنية structure أو العمليات والمعالجة processes أو المخرجات outcome، وعليه يمكن أن نتفق على عدد من المؤشرات تحت كل صنف من هذه الأصناف الثلاثة.
صنف البنية:
1.عدد السيدات في نطاق جغرافي مقابل عدد المرافق المعتبرة أو المرخصة التي يجدن فيها سبيلًا لذوي الاختصاص في العلم الديني أو النفسي.
سبل الوصول للمرافق تلك والاتصال بذوي الاختصاص فيها.
2.وجود أماكن مخصصة للقاء المباشر في المرافق المعنية.
3.وجود ذوي الاختصاص الديني والنفسي من الجنس نفسه مقارنة بما هو متوفر من الجنس الآخر.
4.وجود سبل تمويل الحصول على هذه الموارد والوصول إليها - العامل الاقتصادي.
صنف العمليات والمعالجة:
1.منهجية ثابتة ومعلومة ومبنية على العلم المرجعي لاستقبال الاتصال والاستشارة التي توثق في قوالب علمية تستهدف عملية تقصي شاملة لجمع المعلومات ذات الصلة.
2.منهجية ثابتة ومعلومة ومبنية على العلم المرجعي لتحليل الاتصال والاستشارة في إطارها العام مع الاعتبار لخصوصية الفرد - المرأة - المقدمة للاتصال والاستشارة.
3.منهجية ثابتة ومعلومة ومبنية على العلم المرجعي لاستنتاج التشخيصات المناسبة التي تقتضيها المعلومات وتحليلها المتأني الرصين من قبل المختص الديني والنفسي.
صنف المخرجات:
1.الخطط التدخلية سواء كانت علاجية أو التطويرية في البناء الروحي من مصادره الدينية أو النفسي من مصادره الطبية والمهنية ووضوحها مع رصد مستهدفات ومؤشرات التقدم والتحسن.
2.آلية المتابعة والتحسين لإجراءات تنفيذ وتطبيق الخطة.
3.الإطار الزمني لتحقق مستهدفات الخطط التدخلية.
4.ملائمة المخرجات لواقع وخصوصية حياة المرأة موضع الدراسة customization
5.ديمومة الأثر sustainabilty
كل ما سبق أعلاه ينبغي لأي مجتمع إسلامي يغلب عليه أنه محافظ ومتعلم يغلب على سيداته التحصيل العلمي الثانوي فما فوق ينبغي أن يدقق المجتمع في تلك الموارد وفي مؤشرات تحصيلها من هياكلها وطرق تشغيلها ومناهج العمل والإنجاز فيها إلى مخرجاتها ومدى فعالية وكفاءة تلك المخرجات.
لعل الجانب النفسي ومكوناته أكثر انتظامًا في مجتمعنا لأنه يقوم وفق الأنظمة والقوانين الوطنية الرسمية من حيث التراخيص للمنشآت ومزاولة المهنة. لكن فيه تحدياته الخاصة ومخاطر يمكن تسليط الضوء عليها.
بالمقابل في موارد التعليم والتطوير العقلي والروحي ذات المرجعية الدينية ليس فيها صفة النظام والأسباب كثيرة ولكن الواقع يحكي عن انعدم عالمات الدين اللاتي يغنين النساء عن اللجوء للرجال من علماء الدين. كذلك لدينا غياب لتصنيف علماء الدين، سواء كانوا رجالًا أو نساء يوازي تصنيف الأطباء والأخصائيين، مما يجعل الأمر ملتبسًا من جهة من هم أهل المشورة الروحية وتقديم التوجيه الروحي بخلاف غيرهم. وثمة معضلة توثيق وحفظ بيانات طالب المشورة، ففي السياق الطبي ثمة ملفات طبية أما في السياق الديني فكيف تحفظ بيانات الناس وما هي المخاطر المحدقة بها.
ومن أكبر الفجوات في تحليلنا لواقع موارد البناء النفسي والعقلي والروحي للمرأة ونحن ننظر للموارد الدينية والموارد المهنية هو غياب ذوي التخصص في الأطفال والمراهقين من علماء الدين -التخصص بمهارات تواصل معهم ولغة تحاور وموضوعات الابتلاء الخاصة بهم - وهو بخلاف الموارد المهنية الطبية حيث هناك من هم متخصصون في التعامل مع الأطفال.
هذا الأمر مهم لأننا إذ نقول أن على المرأة أن تهتم ببناء ذاتها وتحصل من الموارد المجتمعية أكثر ما يمكن فإننا نأمل أن يحدث ذلك من المرأة اليافعة المراهقة فكم لدينا في المجتمع من يمكنه أن يتصدى لليافعات ويقدم لهن كل ما يلزم تقييمًا وتحليلًا وتشخيصًا وتوجيهًا وعلاجًا؟
السنوات العشر الثانية من عمر أي فتاة هي المدة الحرجة للبناء الشخصي. بريق المرأة والأمومة يتم تحقيقه هنا ومن هنا تبدأ عمليات صيانته.
إذا نجح مجتمعنا في صناعة وإقامة منظومة رعاية ودعم وتعليم وتوجيه ذات كفاءة تخصصية لها مؤشراتها ومعاييرها، لتخدم الفتيات من عمر المدرسة حتى عمر الجامعة، سيكون بريق الأمومة ساطعًا كالشمس وربما لن نكون بحاجة للشمس عندئذ!
خلاصة القول أيها السيدات والسادة:
يجب أن نعزز القدرة الذاتية لكل فتاة وشابة لكي تبني وتصون أمومتها.
ثم بأمومتهن سوف يصنّ المجتمع بأسره.



