من جزيرة تاروت إلى ضفاف دجلة.. «عشتار» تنحت ظل بليغ البحراني وتزرع القصيدة في محراب الأسطورة

وقّع الشاعر بليغ عبدالله البحراني من جزيرة تاروت أولى مجموعاته الشعرية تحت عنوان «عشتار تنحت ظلي»، وذلك خلال أمسية شعرية ثقافية احتضنتها العاصمة العراقية بغداد، نظّمتها منظمة «نخيل عراقي»، لتحوّل حفل التوقيع إلى احتفاء عربي بالشعر واللغة والعاطفة.
وقدّم البحراني ديوانه بين يدي الجمهور كمنحوتة من وجدٍ وأسطورة، وقرأ منه نصوصًا امتزج فيها نبض العاشق بأسطورة الخلود، وتقاطعت فيها خطوط الحب، والحنين، والهُوية، عبر قصائد شديدة الانفعال والصدق، استهلّها بتحية وجدانية للعراق حضارةً وناسًا، قبل أن يغوص في بوحٍ شعري محمّل بالرموز والمجازات.
وشكّل عنوان الديوان عتبةً مفتوحة على التأويل، إذ حضرت «عشتار» بوصفها رمزًا مركّبًا يتجاوز أنوثة الجسد إلى أنوثة المعنى، وبرز «الظل» بوصفه ذاتًا منقوشة بالمحبة والانكسار، في علاقة جدلية بين الحضور والغياب، وبين من ينحت ومن يُنحت.
كشف البحراني في قصائده عن عشق يتجاوز حدود العاطفة، فكتب «عشتار» كأنها وطن، وناجى ملامحها كما يُناجى الوجود، قائلاً: “وطنٌ أراكِ… أتهجرين محبّتي؟”
ليصوغ من هذه العلاقة المتوهجة ما يشبه الميثولوجيا الشعرية، حيث يتحوّل العاشق إلى ظلٍ تحفره محبوبته في لحم المعنى.
ووظّف الشاعر المجاز في ديوانه بوصفه هواءً يُستنشَق، لا حيلة لغوية، فبدت الاستعارات في شعره وكأنها تنمو مع القصيدة لا فوقها، وتدفقت الصور الحسية بعفويةٍ صادقة، تارةً بحديث العين، وتارةً بعطر الدمع، وتارةً بأهداب الفجر الذي يتوسل الضوء من وجنتي عشتار.
وغاص البحراني في تقنيات الشعر الكلاسيكي والمعاصر، فكتب ببحور الطويل والبسيط والوافر، إلى جانب قصائد التفعيلة والنثر، محافظًا على صوت شعري واحد لا يتنازل عن شعوره الحار، حتى حين يلعب بالأوزان والقوافي في تسميط دقيق وتنويع فني ثري.
وامتلأت صفحات الديوان بنداءات الحب ووجع الهجران، وأعاد الشاعر تشكيل مفهوم العاشق، حين قال: “أنا وليل العشق صرنا توأمًا…”
في إحالة مباشرة إلى إرثٍ شعري طويل من الغرام المكلوم، الممتد من قيس بن الملوّح إلى نزار قباني، مع بصمة واضحة تخصه وحده.
وتألقت أمسية التوقيع في بغداد بحضور شعري لافت، حيث شارك شعراء عراقيون بارزون أمثال حسين المخزومي وناظم الصرخي، في أمسية تحوّلت إلى فسحة وجدانية عبقة بالشعر والحوار، فيما عبّر رئيس منظمة «نخيل عراقي» الشاعر د. مجاهد أبو الهيل عن تقديره لتجربة البحراني، واصفًا إياه بـ«صوت قادم من الخليج، يحمل القصيدة كما تُحمل الأيقونة».
وعدّ النقاد الديوان مرآة شعرية لحالة وجدانية متمرّدة، حيث كتب الشاعر شفيق العبادي في تقديمه أن: «عشتار تنحت ظلي» ليس عنوانًا بقدر ما هو سؤال وجودي، وجواب عاطفي هائم على وجهه».
فيما اعتبر أ.د. ميثاق الصالحي أن البحراني «يصوغ العشق كتكوين لغويّ آدميّ، تصهره عشتار وتبعثره القصيدة».
واختتم البحراني ديوانه بكلمة موجزة ولكنها مشبعة بالحنين، قال فيها: “هذا نزفي الأول.. بين يديكِ.”
كأنما يقدّم هذا الإصدار لا ككتاب، بل ككفّين من شعرٍ، يخبئ فيهما كل هشاشته وعنفوانه معًا.



