أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الابنة نبع الحنان 4

عماد آل عبيدان · القطيف اليومالثلاثاء 9 سبتمبر 2025، 12:54 م
الابنة نبع الحنان 4

إذا رزقنا الله ولادة إبنة في البيت، دخل معها نبع من الحنان لا ينضب. يظن البعض أن حضورها كونه إضافة عددية للأسرة، غير أن الأيام تكشف أنها النسمة التي تُطرّي قسوة الجدران، واليد التي تُرمّم التعب، والضحكة التي تُزيّن زوايا البيت حتى في أكثرها جفافًا.

الابنة كالماء في الصحراء؛ لا يُدرك المرء قيمته إلا إذا افتقده. هي التي تُشعل الدفء في لحظة برود، وتذيب قسوة الأب بابتسامة، وتُلين صرامته بكلمة “بابا” تخرج من قلبها. وهي التي تجعل الأم ترى نفسها في مرآة صغيرة، تضحك كما ضحكت يومًا، وتعيش معها تفاصيل الأنوثة وهي تتفتح من جديد.

تأمل المشهد: يعود الأب متعبًا من نهاره الطويل، فيجد ابنته الصغيرة تقفز إلى حضنه لتسأله عن يومه. يبتسم رغم الإرهاق، كأنها سكبت ماءً باردًا على نار التعب. أو انظر إلى الأم عندما تراها تُرتب غرفتها بحماس طفولي، فتشعر أن جزءًا من قلبها يكبر أمامها. حتى الإخوة، مهما اختلفوا معها، يعودون دائمًا إلى ضحكتها لتخفف عنهم وطأة الحياة.

الابنة لا تكتفي بأن تكون بهجة الحاضر، هي تصير ذاكرة الغد. وإذا غادرت البيت إلى بيت جديد، يظل أثرها عالقًا في المقاعد والوسائد وصوتها في أركان المطبخ. وإذا أتت في زيارة، تعود معها كل الروائح والأصوات التي ربطت البيت بحياة نابضة. لذلك، يشعر الأهل أن فقدانها ـ ولو ليوم واحد ـ يترك فراغًا لا تملؤه الأشياء.

لكن الأجمل من الحضور هو الدرس الذي تمنحه: أن الحنان قوة تُبقي القلوب متماسكة لا ضعفًا. أن اللين يستطيع أن يُصلح ما لا تُصلحه الشدة. أن العاطفة ليست عبئًا،إنه طاقة إذا صُرفت في مكانها جعلت البيت أدفأ وأجمل.

وهنا تكمن وصية الحياة: احفظوا بناتكم كما تحفظون جواهر ثمينة. امنحوهنّ الثقة قبل النصائح، وكونوا لهنّ سندًا كما هنّ سندٌ خفيّ لكم. فالبنت لا تحتاج كثيرًا لتزهر؛ يكفي أن تشعر أن قلبها في مأمن، وأن حنانها يجد صدرًا يتسع له.

الابنة نبع الحنان؛ إذا تدفّق في بيت، ارتوى الجميع. هي الهدية التي تُشبه المطر، تأتي لتروي أرضًا عطشى، وتترك خلفها زرعًا يزدهر وذكريات لا تذبل. ومن عرف قيمة هذا النبع، أدرك أن البيت ما كان يُقاس بعدد غرفه، بقدر ما يفيض فيه من حنان بناته.