أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

ديمة المجنونة.. الجزء الأول

عبد العزيز شروفنا · القطيف اليومالأربعاء 10 سبتمبر 2025، 2:19 م
ديمة المجنونة.. الجزء الأول

يمضي فصل الخريف شقيًّا متثاقلًا، تقول عنه الأمهات “الخريف يجلب الخرف”، فالصيف ذهب بضجره، وحرارة أركانه، وخيرا فعل بذهابه، فقد كانت حرارته لا تطاق. ولكن للخريف عودة تستفز المشاعر، هذا الفصل يحمل نسيمًا حزينًا، أو رياحًا ثقيلة، تهز جذوع النخيل والأشجار وتزيح أوراق الشجر المتهالكة، وتعرِّي الأغصان من ثوبها البهي، وتحرّض الغيوم على التلاقي حتى تتكاثر وتتصادم، ثم تستولي الغيمات الكبيرة على الغيمات الصغيرة المتناثرة، لتستوي في غيمة تائهة في جوف السماء البعيدة، وتصبح ديمة الشقية. نعم، ها هي ديمة التي تسكب الدموع بدل حبيبات المطر الرقراقة الندية، ديمة بأوجاعها المثقلة.

حينما دلفت ديمة إلى داخل الدار، صاحت على خالتها: موجوعة أنا يا خالة، قد فاض بي الأسى، الليل ليس بليل، والنهار يلثم أحشائي، لم يعد للدمع طعم يا خالتي الغالية، ارحميني، هذا الخريف لي منه نصيب، ولكم منه زفرات الانتحاب. أعرف يا خالة، هناك مريم ابنتك ملقاة على الفراش بائسة، يأكلها وجع المرض وتنهشها أنّات الوحدة، وتلك ابنتك الأخرى زينب قد ابتلعت لسان الصمت في ليلة الخديعة والمباغتة، تلك الليلة التي سقاها إياها ذاك الوحش الذي يسمى (زوجها)، فاقد الشهامة والرجولة، بكأس الحنظل، فجعل من جسدها لوحًا يابسًا، ومن نفسها روحًا ممزقة وعينين غائرتين معلقتين في السماء.

وماذا عني يا خالة؟ هجرني ابنك المغوار إلى ساحاته البعيدة، فلم أجد إلى هذه الروح المتلاطمة مكانًا آمنًا غير قلبك العطوف. فلا جسدي قادر على حملها، وليس لقلب مكسور تحملها، تلك النفس التي يطلقون عليها أبناء ديرتنا “المجنونة”، لها جمال طاغٍ إن رضت، ولكن كيف ومتى ترضى؟ قد يحدث أن ترضى لشذرات من الزمن الهائم، من أجل هذه القطعة المسكينة المقطوعة من كبدي، إنها ابنتي اليتيمة لأبوين موجودين بالاسم فقط.

لذلك هيهات، لا رِضا بعد هذا اليوم المأزوم. ففي هذا الرأس حب لم يُحصد، وعفاريت منفلتة، ونور في عيني بدأ يغبش، فنار جهنم بدأت تشتعل في داخلي، حرائق تلهبني وقدور أحشائي تفور بغليان طافح، يأتون قادمين من السعير. لقد شابت شعرات رأسي، وأنا في هذا السن المبكر من العمر الرديء. الليلة هذه إن لم يقبض علي مفاصلي، فسأفلت هائمة على رأسي، أو على وجهي، أو ربما سأتلاشى تحت ترعة ماء، أو وجبة لوحوش الأرض الهائمة.

ها هو طيفي يا خالة ينزل بهيأته الرهيبة من أعلى المرتفعات، ويستوطن ضلوعي وعقلي. لم تعد لي سيطرة على هذه الروح المجروحة، وأنفاسي مخنوقة تستولي على صدري، لم يبقَ لي سوى قبضتك وشجاعتك المعهودة! أسرعي يا خالتي قبل أن تضيع ذاكرتي وتتحول عيني، ويتغير صوتي.

قالت لها الخالة العجوز: لقد ارتكبت وإياك يا ابنتي معاصي إن كان لها أول فلن يكون لها آخر. لقد قيدتك بهذه الخشبة اللعينة سنوات حتى جفت عروق رجليك من دمائها، وها أنت تحثِّينني على فعل المزيد. لقد ظننت بأن تلك الأيام قد ولّت واختبأت في جحورها السحيقة. لا أعلم إن كان الله غاضبًا لهذا الفعل، أم يجازيني على سترك والمحافظة على روحك؟ فكل ألم صادر من قلبك الموجوع ينعكس سكاكين وخناجر تغرس مخالبها الصلبة الحادة في بواطن قلبي. وها أنت ترين بأم العين، ابنتي مريم في الفراش تنوح وحيدة مستوحشة، وأختها زينب قد أصبحت تترنح بين شعاع الوعي وشفرة اللحد. وأضافت الخالة، وقطرات الدموع تسيل مدرارة على خدها: طلبتك يا ديمة أن تدخليني إلى أوجاعك، وأن تغسليني بعبق أنفاسك اللاهثة. جسدي أصبح سفينة محطمة على شواطئ مهجورة، وقد تكسرت مجاديفي واهترأت الأشرعة، فلا خشب يسندني، وقد ذابت مساميري، وانحلت الأربطة. فالسجن يا ابنتي إن حصل، وهو وياللعذاب سيحصل هذه الليلة التي كنت أظنها قد توارت خلف رداء الزمن الموحش، فإن حبسنك فإنني أحبس نفسي معك، فالسجين والسجّان في مكان واحد، فأنا وأنت قلبان جريحان يا ديمة.

فقالت ديمة: تجدّد الزمن الآن يا خالة، أسرعي إلى سجني، بل أسرعي أكثر. إن سألتني السماوات عنك، وأنا المجنونة التي سيذهب بعد قليل ما تبقى لها من عقل، سأصيح بأعلى صوتي، مزمجرة: أطلقوا هذه الأم الرؤوم، فهي من قادتني إلى دروب الراحة المطلقة. فكل ما أحتاج إليه الآن أن تقيدي رجلي في الخشبة اللعينة. احتجت إليها، قيديني يا خالة. فإن القيد لا يعني أن يكون الجسد حبيسًا في المكان، بل القيد الحقيقي أن تحرمي أفكاري وتحصريها بين الجدران. هيا، احبسيني يا خالة قبل أن أجلب لكم العار، قد يخطفني أحدهم على قارعة الطريق، أو ربما أُرمى بنفسي على شواطئ هذه المياه المتربصة بالصيادين. ألا تذكري يا خالة حينما سرقت تلك المياه أخي الوحيد؟ قد سرقته في عاصفة هوجاء، وقد هامت به تلك المياه المجنونة إلى قيعانها السحيقة. سأكره زرقتك وسأكره أمواجك، سأكرهك أيها البحر حين تغدو وحين تتلاقى بأفق السماء. ليس لهذا البعد أفق، وليس لتلاقيك سوى الغدر والخديعة. ليس لهذه الزرقة بريق، لا أحبك أيها البحر، منذ أن ابتلعت أخي وروحي تهيم في أعماق نفسي ولم يعد لها مستقر أو أمان.

“الآن غاب عقلي المزيف، وأتضحت الرؤية، يقال إن عقلي بدأ يغيب! وها أنا في مواجهة الضياء”.

أيتها الشمس، انتصري للحقيقة، فأنت الوحيدة القادرة على محو الزيف. فديمة بدأت تتألّق، ها هي تعرِّي كل المفردات، وتحاجج كل القوى، وتأنس لكل الممنوعات. تستحضر في مخيلتها رواد السعير متهكمة بهم، وتقول لهم: ألم تسمعوا (قول الحق) “يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ”. وتصيح ديمة مغتبطة وقد استحكمت الخشبة برجليها: كنت أتمنَّى أن تكون لكم نارًا ملتهبة في جوف الأرض قبل أن تنتقل نفوسكم المشبَّعة بالظلم إلى نار سَقَر.

تنويه

• ديمة تعني السحابة الممطرة.

• القصة واقعية، وقد كتبتها بأسلوب ترميزي، مراعاة للخصوصية.