الجدة.. ذاكرة الدفء 5

بعض ذاكرتنا التي نتذكر بها الجدة، نتذكر هرولتنا نحوها صغارًا. نُسرع لنقبّل يديها ورأسها، فنغرق في ابتسامتها الحانية؛ شمس صغيرة تضيء البيت، وحضن يُشعرنا أننا في مأمن من كل خوف. كانت تسأل عن أحوالنا بصدق لا يشبه أي سؤال، وتغمرنا بدعاء يسبق كلامها: “الله يحفظكم ويوفقكم ويستر عليكم”.
وجود الجدة في البيت أشبه بوجود قنديل قديم؛ لا يسطع بريقه كالكهرباء، ومع ذلك يشيع دفئًا وهيبةً يملآن الأركان. هي أكبر وأعمق من امرأة مسنّة تستند إلى عصا، هي ذاكرة حيّة تمشي بيننا، تحفظ للعائلة حكايتها الممتدة، وتربط البيت بجذوره الأولى.
بيضة الجدة.. بركة الحب
وما زلت أذكر قصة من طفولتي؛ كنت أعود من المدرسة، وأذهب في وقت العصر، فأدخل على جدتي. كانت تدّخر بعضًا من فطورها البسيط: بيض مسلوق، أو قطعة حلوى صغيرة، لتقدمه لنا ونحن أطفال. كانت تحرم نفسها من هذا الزاد القليل لتفرحنا به، مع أن بيتها لا يعرف وفرة ولا سعة.
كنت أشعر يومها بإحساس لا يوصف؛ خليط من الدهشة والامتنان: كيف لجدة لا تملك الكثير أن تختار أن تمنح القليل لنا بدل أن تأكله؟ أدركت يومها أن الحنان ما كان في كثرة العطاء، إنما في صدقه، وأن البركة لا تُحسب أو تُعد بحجم ما يُقدَّم، بكثر ما يكون بصدق اليد التي تقدمه.
وعندما تجلس في ركن المجلس، يبدأ السفر. تروي لنا عن أيام البيوت الطينية، عن الجيران، عن النخيل، عن رجال حملوا العائلة على أكتافهم، وعن نساء أشعلن الحطب ليصنعن خبزًا يقتسمه الجميع وعنهن بمساعدة ازواجهن في ايام العمل بالنخيل. نضحك من تفاصيلها البسيطة، ونصمت إذا طرق مسامعنا وقع العِبر. كنا ندرك أن الجدة لا تحكي قصصًا لمجرد حكايتها، لكنها تلقّننا درسًا في الصبر والرضا والكرامة والجد والاجتهاد.
الجدة تشبه الأرض الطيبة، كلما اقتربت منها نلت بركتها. لمستها المرتجفة على الرأس تكفي لتمحو الخوف، وضحكتها الخفيفة تطفئ الغضب. وإذا همست بآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، كنا نشعر أن الدنيا صارت أهون، وحين تردد: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، كأنها تفتح لنا بابًا إلى الرجاء.
رحم الله الجدات، ما أشبههنّ بباب رحمة يُفتح في البيوت. كم مرة شعرنا أننا بخير فقط لأن جدّتنا رفعت يديها بالدعاء! وكم من بيت حفظه الله ببركة امرأة مسنّة تسجد في آخر الليل وتبتهل: “اللهم احفظ ذريتي”.
رحيل الجدة سقوط فصل كامل من كتاب العائلة لا غياب شخص. هي صفحة لا تُكتب مرتين، وبركة لا تتكرر. ومع ذلك، يبقى أثرها فينا: في دعواتها التي كنا نسمعها آخر الليل، في نكهة يدها وهي تمد لنا البيض المسلوق، وفي دفء كلماتها التي صارت ترنيمة أبدية في الذاكرة.
الجدة ذاكرة الدفء؛ إذا كانت حيّة فقبّل رأسها كل صباح، فدعاؤها حصن، ووجودها كنز. وإذا رحلت، فاستحضر سيرتها، فهي الجذر الذي يربطنا بالماضي، والنور الذي يُضيء لنا الطريق في حاضر قد يزداد عتمة.



