أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الخالة قلب الرَّحم 8

عماد آل عبيدان · القطيف اليومالثلاثاء 16 سبتمبر 2025، 5:15 م
الخالة قلب الرَّحم 8

الخالة هي أم ثانية بحكم الشرع قبل العُرف. قال رسول الله “ص”: «الخالة بمنزلة الأم» [بحار الأنوار ج2ص373]. كلمة واضحة الدلالة، تضعها في مصافّ الأم من حيث العطف والبرّ والمكانة.

هي قلب الرحم الذي يواصل النبض إذا توقفت الأم عن العطاء أو غابت وحتى مع وجودها. كثير من الأطفال يشعرون أن لحظة دخول الخالة إلى البيت تُشبه دخول الأم نفسها، كما أنّ بعضهم يندفع إليها بذات السرعة التي يندفع بها إلى والدته. في صوتها رنين الأمومة، وفي ملامحها امتداد لوجه الأخت، وفي يدها دفء يبدّد خوف الصغار.

أتذكر مشهدًا قديمًا لخالة في حارتنا، كانت تذخر من طعامها القليل ما تحمله لأولاد أختها بعد يوم شاق. كانت تقول لهم بابتسامة: “لا أستطيع أن آكل وحدي ما لم تشاركوني”، فيشعر الصغار أنهم يملكون أمًّا أخرى تهبهم ما بين يديها.

الخالة تُشبه الغصن الذي يمدّ ظلال الأم إلى أبنائها، فلا ينقطع الحنان عند حدود البيت. في لحظات الفقد، كانت كثير من الخالات يقمن مقام الأم بحق: يربين، ويعلّمن، ويؤدّبن، ويملأن البيت بحضورهن. كم من أبناء كبروا وهم يرددون: “لولا خالتي لشعرنا باليتم.”

أتذكر خالتي رحمها الله، التي لم تُنجب، وكنا لا نناديها إلا بـ”أماه”. كانت تحنّ وتراعينا كأمنا رحمها الله، وكنّا نبادلها الرعاية فنزورها وتزورنا بشكل يومي، ونتفقد أحوالها كما لو كانت أمًّا لا محرَمًا فحسب. لم تكن تنادينا إلا بأولادها، وكنا نشعر فعلًا أننا أبناؤها، فغدت رمزًا آخر للأمومة الخالصة التي لا تحدّها ولادة ولا نسب مباشر، بل روح ممتدة من قلب الأخت إلى أبناء أختها.

في الثقافة العربية، تُوصف الخالة بأنها الأقرب إلى القلب، لأنها تحمل عاطفة الأم وتصبغها بمودة الأخت. لا تُقارن هذه العلاقة بعلاقة العم أو العمة، إذ إن الخالة تتعامل مع أبناء أختها كامتداد مباشر لأمومتها.

وقد ورد في تراثنا أن برّ الخالة لا يقل شأنًا عن برّ الأم، وأن صلتها واجبة كما صلة الرحم، لأنها جزء من جسد الأم وروحها. وفي مجتمعاتنا، ظلّت الخالة رمزًا للتضحية: من ترعى أولاد أختها إذا مرضوا، من تسهر على راحتهم، من تفرح لنجاحهم كما تفرح لنجاح أبنائها.

وفي زمننا الحديث، ما زالت الخالة تحتفظ بذات الدور. قد تراها تحمل أبناء أختها في سيارتها للمدرسة، أو تتواصل معهم عبر الهاتف والتقنية الحديثة، أو تُشاركهم أفراحهم بالرسائل والهدايا. في كل زمان تبقى الخالة قلب الرحم، تذكّر أن المحبة لا تتوقف عند الأم، بل تمتد عبر الأخت التي تحمل نبضها.

أعرف خالةً ربت أبناء أختها اليتامى كما لو كانوا صُلبها. لم يشعروا يومًا أنها تعطيهم من باب المنّة، إنما من باب الفرض القلبي. كانت تقول دومًا: “دم أختي يسري فيهم، كيف لا يكونون أبنائي؟”، فكبروا وهم يفاخرون بانتسابهم إليها كما يفاخرون بأمهم.

هذه النماذج لم تختفِ، ما زلنا نراها حتى اليوم. في كل بيت تقريبًا هناك خالة تُمسك بخيوط الرحمة، تلمّ شعث النفوس، وتُعيد الدفء إلى القلوب.

الخالة لم تُحسب كلفب يُقال في شجرة العائلة، هي قلب نابض بالحب، امتداد للأمومة، وذاكرة حيّة للرحمة. من برّ بخالته، فقد برّ بجزء من أمه، ومن قطعها فقد قطع خيطًا من رحمها.

هي قلب الرحم الذي يذكّرنا أن العائلة محبة تُترجم في مواقف صغيرة وكبيرة لا في شجرة للعائلة وحسب. وإذا ذكرت الخالة، ذكرت الأم بصوت آخر، وذكرت الأمومة ممتدة في يد أختها.