زهيريات.. إصدار شعري جريء لنوال الجارودي يقتحم عوالم التراث بلمسة أنثوية

أطلقت الشاعرة والكاتبة نوال جواد جعفر الجارودي من بلدة التوبي بمحافظة القطيف عملها الشعري الأول من نوعه على مستوى الخليج بعنوان «زهيريات أنثى»، في إصدار شعري يفتح أبوابًا جديدة للمرأة في فن الزهيري الذي ظل حكرًا على الرجال لعقود طويلة، لتؤكد الجارودي من خلاله على قدرة الأنثى على اقتحام مساحات الفن الشعبي العريق بلغة واثقة وحس مرهف.
وقدّمت الجارودي في هذا الإصدار نحو مئة زهيرية متنوعة، موزعة بين محاور وجدانية ودينية ووطنية، بعضها فصيح وأغلبها باللهجة الدارجة ذات الجذور الشعبية، لتكون بهذا أول امرأة بحسب المتتبعين، تطبع ديوانًا شعريًا كاملاً مخصصًا لفن الزهيري، وهو فن شعبي عراقي الأصل قلّ من يتقنه في العصر الحديث، لا سيما من النساء.
وأشعلت الجارودي نصوصها بعاطفة أنثوية واضحة، مشبعة بصور وجدانية تتراوح بين الوجد، والحنين، واللوعة، والفقد، والشوق، والرضا، معبرةً عن مكنونات الذات الأنثوية في حالات الصراع بين الحب والخذلان، والغياب والوصال.
ومن أبرز عناوين الزهيريات في الديوان، يتيمة في الهوى، يا قبلة في الهوى، من طيبتي، مكتوب، عتباي، شبه القمر، أعطش ومنك ارتوي، درب النوى، القناص، ساقية، من صوبك، مؤمن قريش، وقت ماضينا، الكرار قالوا علي وغيرها من الزهيريات التي جسّدت تنوعًا موضوعيًّا ووجدانيًّا رقيقًا.
ومزجت الجارودي بين الفصحى والمحكيّة بأسلوب راقٍ وذكي، حيث استحضرت مفردات من البيئة القطيفية التي نشأت فيها، مثل، بلبلة، ارده، مرتعش، وساقية وغيرها، لتعكس تراثًا لغويًا من هوية البيئة، وتضفي على القصائد ملمحًا محليًا دافئًا.
ووصف الأديب يوسف آل ابريه في تقديمه للكتاب هذا الإصدار بأنه «ضربة شعرية نسائية جريئة كسرت حواجز الذكورية في فن الزهيري»، مشيرًا إلى أن الديوان سيكون طريقًا ممهدًا لأصوات أنثوية أخرى ستخوض هذا المضمار لاحقًا، ومؤكدًا أن نوال الجارودي قدّمت ما هو أكثر من ديوان، فقدّمت جمالًا، وعفوية، وسحرًا في النصوص، بلغة سلسة وصور أخاذة.
وقدّمت الجارودي في مقدمة إصدارها بوحًا ذاتيًا عميقًا، أكدت فيه أن الشعر عندها ليس ترفًا، بل «سلة جماليات الكائن البشري» كما تصفه، تكتب فيه بالهدوء، وتنقش صورًا من الذاكرة والعاطفة، وخصّت الإهداء لأولئك الذين سكنوا وجدانها، فكان الكتاب يحمل في ثناياه لغة الحنين والوفاء.
ويُعدّ «زهيريات أنثى» هو الإصدار الثاني للكاتبة، بعد أن أطلقت في وقت سابق عملًا بعنوان «أناشيد وحكايا الحروف» الموجه للأطفال، ما يعكس قدرتها على التنقل الإبداعي بين أدب الطفل والشعر الشعبي، وبين الفصيح والمحكي، وبين التربوي والوجداني.
وتزين غلاف الديوان الأمامي والداخلي لوحة أنثوية حالمة تمثل أنثى في لحظة تأمل، بانسجام لوني بين الأزرق والبني، بينما يظهر العنوان «زهيريات أنثى» مكتوبًا بخط زخرفي عاطفي، وعلى الغلاف الخلفي، تضمن مقطعًا من إحدى الزهيريات الغزلية، تنسجم مع الطابع العام للكتاب وتمنح القارئ تذوّقًا استباقيًا لما سيقرؤه من نصوص مليئة بالرقة والإيحاء.
وكسرت نوال الجارودي بتجربتها الشعرية الجديدة نمطية الموروث الشعبي بجرأةٍ أنثوية، وكتبت بحبرٍ دافئ عن الحب والحزن والحنين، لتمنح القصيدة الشعبية روحًا ناعمةً ومذاقًا قطيفيًا خالصًا، وتمدّ الجسور بين جيل الشعراء وجيل الشاعرات، في مغامرة شعرية غير مسبوقة، قد تكون نقطة التحول لفن الزهيري في الخليج العربي.



