الطبّ رسالة إنسانية ليست تجارة مُربِحة

ظهرت في مجتمعنا الكثير من العادات والأعراف الاجتماعية الغريبة على مجتمعنا، وفي الوقت ذاته المُكلفة ماديًا وتتطلب رصد ميزانية ضخمة. بعض الناس يُخفي امتعاضه ويعترض مداعبًا أحبته بأنه لا ضرورة لها، والبعض الآخر يتأمل ويفكر في جذور هذه العادات الغريبة التي أصبحت مشكلة اجتماعية كبيرة، ويلاحظ أنّها لم تكن موجودة وأصبحت مغروسة لا يمكن نزعها بسهولة، فيرمي مبتكرها وموجدها بالويل والثبور.
وما يذهلني في مجتمعنا أن ينتفض الإنسان كالملسوع في أوج شدة الحرارة ويتوجّه بالدعاء لمن ابتكر أجهزة التكييف التي تأخذنا إلى عالم الفردوس، أو أجهزة الاتصال المرئية التي تُخفّف وطأة مشاعر الغربة بيننا وبين من نُحب.
فكيف بطبيب يبعث الحياة في النفوس ويضيف للإنسانية ابتكارًا فيكون سببًا لتخفيف معاناة المرض وألم الفقد، ويتلاشى المرض شيئًا فشيئًا بسببه؟ فلابد أن يكون هذا الطبيب برتبة إنسان مع مرتبة الشرف العليا، ولابد أن يُشكر صنيعه ويُذكر ما فعله على مرّ العصور الإنسانية.
إن الطبيب الإنسان هو من يمتلك حسًا إنسانيًا ونفسيًا ومعنويًا عظيمًا قبل أن يبدأ بإعطاء وصفة طبية علاجية، وهذا ما لمسته في الدكتور باقر العوامي – رحمه الله – لأنه قبل أن يعالج ابنتي نقل لي رسالة مهمة رافقتني في تربيتي لأولادي.
ما زالت كلماته تتردد على مسامعي:
(كلّ طفل لابد أن يمرض ولابد أن يُعطى العلاج المناسب، وقد يصل به المرض إلى ذروة الألم ولكن الله تعالى قادر على أن يُحيي العظام وهي رميم).
لقد نشر أجواء الاطمئنان والسكينة في أجوائي المُتعبة، ورأيت ابنتي الصغيرة بصحة وعافية قبل مغادرتي عيادته.
مضى على هذا الحدث أكثر من خمسة عشر عامًا وما زلت أتذكر كلماته المُحفّزة لي كأم. وسيظلّ الطب البشري رسالة لا يقدر على حملها إلّا الرحماء من الناس، ولا يمكن اعتباره مشروعًا اقتصاديًا يستهلك ميزانية المريض فيأخذ أمواله ويتركه بعلاج غير مُكتمل ولا أمل؛ فلا ماله يكفي ولا علاجه سوف ينتهي.
المهارة والخبرة في مجال الطب تخلق إنسانًا شغوفًا بمهنته، لا تاجرًا يجبي الأموال من آلام الناس.



