رائحة عطر أبيك لا تنسها!

لا أعرف أيّ رائحة عطر تشتهي أن تشمّ الآن، لكن أنا متأكد أن رائحتك يوم كنت صغيرًا كانت تشبه رائحة عطر أبيك. تضع رأسك على صدره تلحقك رائحة عِطره، رائحة التعب والعرق تعلق بثيابك. يحملك، يلعب معك، رائحتك تشبه رائحته.
يُقال إن الذكريات غالبًا ما ترتبط بالروائح، من نفحة خفيفة من عطره العالق بثوبه إلى حضنِ سترته البالية المُريح، تُشكل رائحة الأب عطرًا فريدًا ينسج الدفء ولمسات من الحنين بينه وبين أطفاله.
في مرحلة الشباب يتغير ذوقنا فتشتهِي عطرًا ذا رائحة مختلفة، مختلفة عن عطر أبينا الذي يكبر ويشيخ. آه من هذه المرحلة التي يشيخ فيها أبونا فما هو أجمل عطر؟
أجمل عطر الأب في مرحلة الشيخوخة رائحة جسده - عندما لا سمح الله يعجز - وتحممه، عندما تتعب قدماه من المشي، تدلك وتفرك قدميه وتشمّ عطره. عطر العزّة والكرامة والرجولة والبرّ، ماركة فاخرة نادرة من صنع الله سبحانه وتعالى، لا تحويها قارورة.
{إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}.
أوف يا رب! في مرحلة الشيخوخة اختبار للأبناء، هل يتذكرون العطر أم تختفي الرائحة؟ أين مآلك؟ أين تذهب؟ أين تفر من مرحلة الشيخوخة إن بقيت؟
فترة الشيخوخة، وحاجة الوالدين في هذه الفترة إلى المحبة والاحترام والرعاية أكثر من أي فترة سابقة. من الممكن أن يصل الوالدان إلى مرحلة يكونان فيها غير قادرين على الحركة دون مساعدة الآخرين. هنا يبدأ الاختبار العظيم للأبناء، هل يعتبرون وجود الوالدين رحمة أم زحمة؟ نعمة أم بلاء ومصيبة وعذاب؟ هل يصبرون على الآباء والأمهات، أم ينزعجون ويستعجلون موتهم؟!
اللسان مفتاح المحبة، قل لهما قولًا كريما. تواضع فالتَواضع علامة المحبة. لا تنساهما من الدعاء وذكرهما بالخير حيين أم ميتين. تذكر أيام الطفولة. لا تنس أنك عندما كنت صغيرًا لم يقصرا في مداراتك والعناية بك، لذا لا تقصر أنتَ في مداراتهم ومحبتهم.
تعرف أخي الكريم وأختي الكريمة أن من البر أن تكون محترمًا؟ إذا رآك الناس قالوا: ما شاء الله! هذا ابن فلان رحمه الله تعالى. فلان ربّاه وأدبه حتى صار كما ترون! سلام إلى روحه! ربما يكون من العقوق أن تكون سيرتك سيئة فإذا رآك الناس قالوا: لو رباه أبوه لما صار هكذا! لو رباه لما كان سيئًا!
{رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ وَ لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَباراً}.
من بزوغ الفجر إلى ساعات متأخرة من الليل، تمتلئ حياة الأب بمشاهد وأصوات لا تُحصى، بل وحتى روائح. كشفت دراسة ألمانية حديثة أن الآباء قد لا يكتفون بتحمّل رائحة أطفالهم، بل يُفضّلونها. نُشرت الدراسة في مجلة "علم وظائف الأعضاء والسلوك"، Physiology & Behavior. تنبعث من الأطفال رائحة تشبه الصابون أو الزهور وتحديدًا البنفسج، ثمّ تتغير الرائحة بعد سنوات الطفولة!



