إليك بُني "23".. ستدركه لاحقًا

كان جدي رجلًا نظاميًا، ربما يكون لعملة في شركة أرامكو الفضل في تمسكه بالنظام في كل شيء، حتى الوجبات، كوجبة الغذاء والعشاء، يتم افتراشها على المائدة في وقت مُحدد، لدرجة أني لو أردت تناول العشاء معه، انظر إلى الساعة، فأقول: المتبقي عشر دقائق بالضبط، ويكون العشاء على المائدة، حيث كلما دخلت مجلسه في الوقت ذاته، أجد العشاء للتو قد وضع.
جدي لا يُحب السهر، وحين كنَّا نسهر مع الأصدقاء، يخرج باحثًا عنَّا، ولا يعود إلى المنزل إلا ويديه تُعانق أصابعنا، نعود معًا، هو يمشي صامتًا، وجنتيه حمراوتين من الغضب المُحتقن عبر مساماتها، ونحن نمشي، ونُحدق في وجهه، كالغاضب، والخائف، وكالحزين الذي حُرم من راحته.
بُني..
كنَّا نتذمر من متابعته الدقيقة لنا، حيث نجد أن هذا الخوف الذي يعتريه علينا، وكأنه قيودًا، تُقعر من حُريتنا، والأكثر من ذلك، نراها تعديًا على شخصيتنا.
مع مُرور الوقت، فالأيام لا تمرُّ دون أن تعلمنا شيئًا، درسًا نكبر من خلاله، وتنضج عُقولنا على إثره، نعم كبرنا، وعرفنا بأنه يُحبنا على طريقته الخاصة، والتي تتقاطع مع توجسه وقلقه، أمله وطُموحه، طريقته الحنونة، والتي بأيّ شكل جاءت، وما القسوة التي ظننا بأنه يُمارسها علينا إلا قلبًا، ينبض رفقًا، ويزهر ربيعًا.
الآن، وما بين يديك أحدثك، ولازلت استرجعها الذكريات؛ لأختصرها في بضع كلمات، إن تأملتها، ستجد ما بين أحرفها دُروسًا أكثر من كونها درسًا، يتحدث عن الالتزام، عن القسوة التي ينبع في داخلها قلب أبٍ، حنونٍ بطريقته التي يُتقن التعبير من خلالها.
فانظر إلى ما تشعر بأنه قسوة من أبيك، من زاوية أنه يُريد مصلحتك، فهو ينظر إلى الأشياء باختلاف ما تراه أنت، ومن المُؤكد في هذه الأمور، أن دافعه هو الصلاح لك، وليس تحجيمك، أو السيطرة عليك، كما قد يُفسر.
الأب بُني..
هو السرُّ عند أبنائه، يتكشف كلما مرَّت الأيام، والذي أعنيه، أنك لن تستطع أن تفهم أبيك الآن، ستدركه لاحقًا، فالوقت بالنسبة إلى الآباء، يجيء عُنصرًا مُهمًا في مدى تفعيل العلاقة بينهم.
ومن هنا أدعوك بُني بكل حُروف الحب، بكل كلمات اللطف، أن تنظر إليه بعين المُتفحص لكل ما يقوم به، ما يُقدمه من عطاء، وما يعنيه في كلماته، ما يكمن في تأملاته، نظراته، وما يُتعب قلبه في صمته، لهذا الصمت المُتأمل في عينيك، حيث يعض على آلامه، كي لا تبتأس أنت، كي لا يُوجعك قلبك؛ لتبتسم أنت في الحياة؛ لتزهر أوراق سنينك، وتُثمر.



