وراء كل مظهر.. حكاية

قصة قصيرة
في بداية فصل الخريف، تكثر الأمراض، وخاصة التنفسية. كما أن الطبيعة من حولنا تتأثر به، فتصفَرّ أوراق الأشجار وتتساقط. وهكذا هي أجسامنا، تتأثر وتضعف ويصيبها المرض.
يقول أمير المؤمنين علي عليه السلام:
“تَوَقّوا الْبَرْدَ فِي أَوَّلِهِ، وَتَلَقَّوْهُ فِي آخِرِهِ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُ فِي الْأَبْدَانِ كَفِعْلِهِ فِي الْأَشْجَارِ، أَوَّلُهُ يُحْرِقُ وَآخِرُهُ يُورِقُ.”
هكذا قرأ سلمان هذه المعلومة التي وصلته عبر تطبيق “واتساب”، وهو في مكتبه يتصفح المحادثات منتظرًا انتهاء فترة دوامه بعد يوم شاق وطويل من إنجاز المعاملات والمهام الموكلة إليه.
تارة ينظر إلى ساعته، وتارة أخرى إلى هاتفه. شعر أن الدقائق الأخيرة تمر ببطء شديد، فأخذ يحدث نفسه:
“هذا حالنا كل يوم… ننتظر عقارب الساعة لتصل إلى الرابعة والنصف، ثم نصطف أمام جهاز البصمة لنضع إصبعنا، فيقول لنا: شكرًا، مع السلامة!”
دخل سلمان في حالة سرحان، مسندًا ظهره إلى الكرسي المتحرّك، ينظر إلى سقف المكتب. قطع عليه هذا السرحان صوت هاتفه يرنّ بنغمة رومانسية جميلة خصّصها لزوجته. اعتدل في جلسته، وأخذ ينظر إلى الهاتف قبل أن يردّ، إذ شعر بأن هناك أمرًا مختلفًا؛ فهو غير معتاد على أن تتصل زوجته في هذا الوقت.
– ألو… مرحبًا… حسنًا… بقيت خمس دقائق وينتهي الدوام، كوني مستعدة لنأخذها إلى طبيب الأطفال…
أغلق سلمان الهاتف وتنهد، وقال في نفسه:
“يا حبيبتي يا صغيرتي… كان قلبي يشعر بشيء ما، وها أنتِ قد مرضتِ.”
رفع رأسه إلى السماء وقال:
“يا رب العالمين، ألطف بها.”
وصل سلمان إلى المنزل، وأخذ زوجته وابنته ذات الثلاث سنوات، وقد احمرّ وجهها من شدة الحرارة، وكانت تتنفس بسرعة. بدت ذابلة، وقد غاب عنها المرح والضحك اللذان كانا يملآن أرجاء البيت.
ضمّها إليه، مسح على رأسها، قبّلها، ثم أخذ منديلاً ومسح أنفها، فقد كانت مصابة بزكام شديد.
نظر إلى زوجته نظرة عتاب قائلاً:
– ألم أقل لكِ أن تكوني حذرة؟ حينما تستحم، عليكِ إطفاء وحدة التكييف وتجفيف شعرها جيدًا، فهي ما زالت طفلة صغيرة لا تتحمل تغيّر الجو.
لم تكن هناك أي إجابة منها سوى أن قبّلت ابنتها واحتضنتها بحنان.
لحظات، ووصلوا إلى المستشفى. سجّل سلمان بيانات ابنته، وتوجهوا إلى عيادة الأطفال التي كانت مزدحمة بالمرضى. جلس مع زوجته بالقرب من العيادة، وابنته في حضنه يمسح أنفها كلما عطست.
أدار سلمان عينيه متأملًا المراجعين، فلفت انتباهه رجل كبير في السن، يبدو أنه تجاوز الستين من عمره، وفي حجره طفلة صغيرة جميلة كأنها دمية، بشعرها الأشقر المنسدل على كتفيها، تضع رأسها على صدره. وبجواره امرأة في بداية العشرينات من عمرها.
همس سلمان لزوجته:
– انظري إلى ذلك الرجل الكبير… هل تلك الطفلة ابنته؟ وتلك زوجته؟! انظري إلى فارق السن بينهم…
قالت زوجته:
– كل شيء جائز، لماذا أنت مندهش؟ ربما زوجته الثانية… أو…
استمر الحديث بينهما يحاولان تفسير هذا المشهد، وكأنهما يشاهدانه للمرة الأولى، حتى قطعه صوت الممرضة تنادي:
– أحلام محمد… أحلام محمد…
نهض الرجل الكبير وهو يحمل الطفلة، التي احتضنته بكلتا يديها، والخوف يملأ ملامحها من الدخول إلى العيادة. كان يبتسم لها ويداعبها لتشعر بالأمان، بينما كانت المرأة تسير بجانبه تمسك بيد الطفلة وتقول لها:
– لا عليكِ يا ابنتي، ستكونين بخير.
دخلوا العيادة، وتركوا خلفهم علامات استفهام كبيرة في رأس سلمان.
مرت دقائق، ثم جاء دور سلمان وابنته للدخول إلى العيادة. وبعد الخروج، وأثناء توجههم إلى الصيدلية، صادف الرجل الكبير يقف مع شخص يعرفه، يتحدثان. لم يشأ سلمان أن يقطع حديثهما، فانتظر حتى افترقا، ثم اقترب من الرجل الذي يعرفه لعله يجد إجابة لتساؤلاته.
– السلام عليكم… كيف حالك؟
– وعليكم السلام… بخير، الحمد لله.
أخذا يتبادلان الحديث، وسلمان لم تفارق عيناه ذلك الرجل.
فبادره صديقه بسؤال:
– هل تعرف ذلك الرجل الذي كنتُ أتحدث معه؟
ابتسم سلمان ابتسامة مصطنعة، محاولًا إخفاء فضوله، وقال:
– لا، لم أعرفه، وهل تعرفه أنت؟
– نعم، هذا جارنا “أبو مصطفى”. إنه رجل طيب وخلوق، وعلى الرغم من مرضه وتقدمه في العمر، إلا أنه لم يتخلَّ يومًا عن العناية بابنته وحفيدته منذ انفصالها عن زوجها.
رفع سلمان حاجبيه فاتحًا عينيه مندهشًا:
– هل هذه ابنته، والصغيرة حفيدته؟!
أخذ سلمان يفرك يديه وشعر بخجل شديد من الموقف، وحدث نفسه قائلًا:
“لم يخطر في بالي ذلك أبدًا… أشعر بالندم. يجب أن أكون أكثر حذرًا في إطلاق الأحكام على الناس.”
ثم سأله:
– هل تقصد أن ابنته مطلقة ووالدها يعتني بهما جميعًا؟
هل يعقل أن يكون هناك رجل يترك طفلة كهذه؟ ألا يحمل في قلبه شيئًا من الحب والعطف تجاهها؟ أم تجرد من كل شعور؟
ابتسم الرجل وقال:
– يبدو أنك تأثرت كثيرًا بهذا الموقف؟
سلمان: هذا صحيح، ولو لم أرَه بعيني لما صدقت. كنت أسمع عن هذه القصص في المسلسلات.
انتهى الحديث، وأخذ سلمان العلاج، وتوجه إلى السيارة حيث كانت زوجته تنتظره. بدا عليه السكون والشرود الذهني، والأفكار تعصف في داخله حول تلك الطفلة التي حُرمت من حنان الأب وهي صغيرة، لكنها وجدت في حضن جدها دفء الأبوة لها ولوالدتها….



