الناس…..خلائط

حين نتأمل في المادة، نرى أنها ليست سوى أنماط من الاختلاط. في كل ما حولنا خلائط: في الهواء الذي نتنفسه، في الماء الذي نشربه، وفي الصخر الذي نمشي عليه. لكن الأعجب من ذلك أن هذا التنوّع في الخلائط، إنما هو صورة من تباين الناس أنفسهم، فكما تختلف الذرات في امتزاجها، يختلف البشر في اقترابهم وتفاعلهم واتحادهم.
فالغازات حين تختلط، تمتزج بصفاءٍ عجيب، تنتشر في فضاء واحد لا حدود فيه، فتذوب ذراتها في بعضها بلا مقاومة ولا تمايز. كأنها قلوب اتسعت للعالم كله، تقبل الآخر دون حواجز، وتمنح نفسها بسخاء. إنهم أولئك الذين يعيشون في سعة النفس والرحابة، لا يعرفون التعصب ولا الفُرقة، بل يتنفسون الحياة مع الجميع في انسجام مطلق.
أما السوائل، فهي خلائط نصف متجانسة، تمتزج أحيانًا وتنفصل أحيانًا. تراها تتعايش، لكن بحدود خفية، فالماء لا يحتضن الزيت إلا لحظة، ثم يعود كلٌّ منهما إلى طبقه. إنها كالعلاقات بين الناس التي يحكمها المزاج والمصلحة؛ قربٌ حين الصفاء، وتباعدٌ عند أول اختلاف. فالتمازج فيها ممكن، لكنه مؤقت، يحتاج إلى تحريكٍ مستمر حتى لا يطفو الاختلاف على السطح.
وأما الجوامد، فهي أعجب الخلائط جميعًا. بعضها هشّ لا يندمج، كالرمل والحديد، وبعضها انصهر حتى صار وحدة واحدة، كالفولاذ والستانلس ستيل، فلا يمكن فصل مكوناته إلا بنارٍ تذيب. وهكذا الناس؛ منهم من يعيش متجاورًا لا متآلفًا، ومنهم من تماهى بالروح حتى صار وجوده امتدادًا لآخر، لا يُعرف أحدهما دون الثاني.
إن الكون كله يعلّمنا أن الاختلاط ليس تشويشًا بل تكوينًا. فكل مستوى من التمازج يحمل حكمته وسنّته، من الغاز المتسامح إلى السائل المتذبذب إلى الصلب المتماسك. كذلك البشر: فيهم من يذوب كالعطر في الوجود، وفيهم من يختلط بقدر، وفيهم من لا يُفصل عن أحبته إلا بنار التجارب.
فالخلائط درسٌ في الإنسانية، يخبرنا أن التنوّع لا يلغي الوحدة، وأن التمايز لا يمنع الانسجام. فكما أن المادة لا تستقيم إلا بتآلف عناصرها، كذلك الحياة لا تزدهر إلا حين يدرك الإنسان أن اختلافه عن غيره هو وجهٌ آخر من تمام الخلق.



