أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

وجوه لا تُنسى: معلم ملهم وأثر لا يُنسى “المعلم علي محمد اليوسف”

حسن آل ناصر · القطيف اليومالجمعة 10 أكتوبر 2025، 3:52 م
وجوه لا تُنسى: معلم ملهم وأثر لا يُنسى “المعلم علي محمد اليوسف”

إن مهنة التعليم تُعد من أسمى المهن وأهمها في أي مجتمع، فهي تشكّل الأساس الذي يُبنى عليه المستقبل وتنير الطريق للأجيال القادمة. وكثيرًا ما نتجاهل الحديث عن المعلمين الذين عملوا بجد واجتهاد لتعليم الأجيال السابقة وتحقيق تطلعات المجتمع. في هذا السياق، يبرز اسم الأستاذ علي اليوسف، الذي قدّم الكثير في مجال التعليم وتأسيس القيم الإنسانية في نفوس طلابه. ومن خلال سيرة حياته نستطيع أن نتعرّف على مسيرة شخصٍ عاش معاناته الشخصية ليُحيلها إلى وقودٍ للتعليم، ويقدّم نموذجًا يُحتذى به في التفاني والإخلاص.

النشأة والبداية

وُلد الأستاذ علي محمد حسن حسين اليوسف عام 1369هـ في بلدة القديح، في الجانب الشرقي منها قرب عين الشرابية. نشأ في كنف أسرة صغيرة متواضعة الحال، تقيم في كوخٍ صغيرٍ فقدت منزلها في ظروفٍ غامضة، وقد طُبع فجر طفولته بفقدان والدته وهو لم يتجاوز الخامسة من عمره تقريبًا، فكانت تلك اللحظة أولى محطات التحمل والمسؤولية.

منذ رحيل الأم، تكفّل والده –رحمه الله– برعاية ابنيه، فجمع في قلبه بين حنان الأم وحزم الأب، وكان لهما السند في مواجهة مشاق الحياة وتقلباتها اليومية. لم يكن صغر السنّ حائلًا أمام حمل الأعباء، فقد انخرط علي منذ نعومة أظفاره في العمل إلى جانب والده، يساعده في الحانوت «صندقة» الذي أنشأه، حيث يبيعان ما تجود به الأيدي من بضائع. ولكثرة المدينين الذين امتلأ دفتر الحسابات بأسمائهم، عمل في البحر أيضًا.

وحين كان والده يمتهن البناء، التحق به هو وأخوه الأصغر للعمل في هذا المجال خلال العطل المدرسية، كما لم يتردد في مشاركة والده رحلة البحر لصيد الأسماك والربيان، يتعلّم ويُعين، وكان في الوقت نفسه يتولى مسؤوليات الطبخ والغسيل ورعاية أخيه الأصغر. لقد تقاسم الأب وابناه أعباء الحياة باكرًا، فكانوا ثلاثة أعمدةٍ تقف عليها أسرةٌ صغيرة، جمعتهم المسؤولية ووحّدهم الكفاح.

المراحل الدراسية

التحق الأستاذ اليوسف بمقاعد الدراسة في عام 1379هـ/1385هـ، حيث بدأ مشواره العلمي في مدرسة القديح الابتدائية التي عُرفت لاحقًا باسم «مدرسة سلمان الفارسي». تخرّج منها عام 1385هـ/1386هـ، وكان من ضمن الدفعة الثالثة من خريجيها، وهو ما يُعدّ إنجازًا في تلك الفترة.

تابع مسيرته التعليمية في المرحلة المتوسطة بمدرسة معن بن زائدة في مدينة القطيف، وتخرّج منها عام 1388هـ، وواصل دراسته في معهد المعلمين بمدينة الدمام ليتخرّج عام 1391هـ، بعد أن نهل من علومه ما جمع بين المواد الأدبية والعلمية، وتدرّب على طرائق التدريس المتنوعة التي شملت المواد الدينية، واللغة العربية، والرياضيات، والعلوم، والاجتماعيات، بالإضافة إلى التربية البدنية والفنية، التي كانت من المتطلبات الأساسية آنذاك.

وخلال دراسته في المعهد، سعى الأستاذ علي للالتحاق بقسم اللغة العربية في جامعة الملك سعود بالرياض بنظام الانتساب، إلا أن شرط الحضور الإلزامي حال دون ذلك، فاتجه إلى الانتساب لقسم التاريخ في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، وكان حينها يعمل معلّمًا في المرحلة الابتدائية، جامعًا بين العمل والدراسة بعزيمةٍ لا تلين.

وفي عام 1401هـ، أتمّ دراسته في مركز الدمام متخرّجًا من قسم العلوم والرياضيات بعد دراسةٍ خاض فيها تخصص الكيمياء، مؤكدًا بذلك شغفه بالعلم وتنوّع اهتماماته الأكاديمية.

تأثير المعلمين وأسباب اختيار مهنة التدريس

كان للمعلمين الذين مرّوا في حياة الأستاذ علي أثرٌ بالغ في صقل شخصيته وتوجيه مساره. فقد شكّلوا مناراتٍ أضاءت دربه، وكانوا مصدر إلهامٍ دائمٍ له. ويذكر بشيءٍ من الامتنان أن معلميه في المرحلة الابتدائية كان لهم الدور المحوري في ولوجه ميدان التعليم، إذ تركت طريقتهم وأخلاقهم التعليمية بصمةً عميقةً في نفسه حفّزته لأن يسير على ذات النهج.

غير أن اختياره مهنة التعليم لم يكن بدافع الشغف وحده، بل كان للواقع العائلي دوره الأكبر في توجيه قراره، فقد نشأ في كنف أسرةٍ تكابد صعوبة العيش، مما جعله يبحث عن عملٍ يضمن دخلاً ثابتًا يعينهم على تجاوز ضيق الحال. ومع اشتداد وطأة الحاجة واتضاح علامات الكِبر على والده، قرّر الأستاذ علي تحمّل العبء عنه وحثّه على التوقف عن العمل ليرتاح في شيخوخته.

فقد كان يتقاضى مكافأة شهرية مقدارها 300 ريال أثناء دراسته في معهد المعلمين، فقسّمها بروحٍ مسؤولة: خصص 250 ريالًا لوالده، و25 ريالًا لسائق الحافلة التي كانت تقله يوميًا من القديح إلى الدمام، واحتفظ بـ25 ريالًا كمصروفٍ شخصي. بهذا التوزيع البسيط عبّر عن عمق الوفاء، وتجسّدت فيه ملامح رجلٍ ناضجٍ حمل مسؤولية أسرته وهو لا يزال في ريعان الشباب.

المسيرة التعليمية

بدأ الأستاذ علي مسيرته في ميدان التعليم في شهر رمضان المبارك عام 1392هـ معلّمًا في مدرسة النعيرية الابتدائية، حيث تولّى تدريس جميع المواد الدراسية، مجسّدًا روح المعلّم الشامل الذي يحمل الرسالة بكل أمانة، يمنحها من قلبه قبل علمه، ويتقمّص دور المربّي الذي لا تحدّه مادة ولا يقيّده منهج.

وفي العام التالي 1393هـ، انتقل إلى مدرسة حلة محيش الابتدائية، مستمرًا في النهج ذاته من الإخلاص، ناشرًا نور العلم بين طلابه. وفي عام 1401هـ، انتقل إلى مدرسة القطيف النموذجية المتوسطة (أرامكو) لتدريس مادة العلوم، واضعًا أولى خطواته التخصصية في المجال العلمي الذي أصبح لاحقًا ميدان تميّزه.

ومن بعدها واصل مشواره في مدارس الجش، وصفوى، والجارودية، وأم الساهك، ثم الأوجام، وأخيرًا مدرسة رأس تنورة النموذجية المتوسطة، التي كانت آخر محطاته التعليمية حتى تقاعده الرسمي عام 1426هـ.

لقد امتدت رحلته لأكثر من ثلاثين عامًا، جاب خلالها مدارس وقرى ومدنًا مختلفة، لم تزده السنوات إلا ثباتًا، ولا التجارب إلا إخلاصًا، فبقي معلّمًا كما بدأ، لا يحيد عن مبادئه، ولا يساوم على رسالته، غارسًا في عقول الأجيال بذور العلم، وراسمًا في ذاكرتهم أثرًا لا يُنسى.

أساليب التدريس والتأثير على الطلاب

بكل رحابة قلبٍ ودفء روحٍ كان الأستاذ اليوسف يحمل في داخله قلب مربٍ قبل أن يكون معلّمًا. لم يفرّق بين طلابه، بل رأى في كلٍّ منهم شخصيةً فريدة تستحق الفهم والاهتمام. يراعي فروقهم الفردية، وينزل إلى مستوياتهم برقي، لا ليتنازل، بل ليرتقي بهم.

ترك هذا النهج الإنساني أثرًا عميقًا في نفوس طلابه حتى بعد التقاعد، فاستمر تواصله معهم، فكان صديقًا لهم بعد أن كان معلّمهم، ومُلهمًا بعد أن كان موجّههم، بل إن كثيرًا منهم ساروا على خطاه واختاروا التعليم طريقًا، مستحضرين مثاله النقيّ وذكراه الحيّة.

المساهمة المجتمعية

لم يكن عطاؤه حبيس جدران الفصل الدراسي، بل امتدّ إلى المجتمع. ففي عام 1392هـ أسّس مع مجموعةٍ من زملائه برنامج دعم تربوي باسم «برنامج التقوية»، لمساعدة الطلاب المتعثّرين دراسيًا. ثم توسّع البرنامج لاحقًا عام 1402هـ ليشمل طلاب المراحل العليا، وكان مقرّه الأول بيت المرحوم أحمد العرفات.

كما أسهم في نشاطات نادي مضر والجمعيات الأهلية، إيمانًا منه بأن بناء الطالب لا يكتمل دون تغذية روحه وفكره إلى جانب عقله. وتم اختياره لاحقًا من قِبل وزير التعليم آنذاك الأستاذ محمد الرشيد، ضمن نخبة من التربويين المشاركين في تطوير مناهج العلوم في المملكة.

التواضع والإرث العلمي

رغم مسيرته الحافلة بالعطاء، ظلّ الأستاذ علي محمد اليوسف مثالًا في التواضع والجدّية والانضباط. كان يرى في التعليم رسالة لا وظيفة، وفي الانضباط احترامًا للعلم لا تشددًا في الإدارة. لم يُعطِ درسًا من خلف المكتب، بل كان واقفًا طوال الحصة، حاضرًا بجسده وروحه، يردد دائمًا:

«لا حصة ناقصة في قاموسي، ولا دقيقة تضيع من وقت الطالب».

كان يؤمن بأن مادة التربية البدنية تُبنى بها الشخصية بقدر ما تُبنى الأجسام، وأن المختبر هو قلب مادة العلوم، فلا حصة علوم عنده خارج المختبر، لأن التجربة في نظره جوهر الفهم.

الحياة الشخصية والهوايات

عُرف الأستاذ علي بتواضعه الجمّ، وصلته القوية بأرحامه، ومشاركته المستمرة في أفراح الناس وأتراحهم. وكان قارئًا نهمًا ومحبًّا للكتب والمجلات الثقافية، منها «القافلة» و«العربي». كما كان يجمع العملات القديمة ويهوى الصيد بأنواعه.

وكان من أوائل أعضاء نادي «الشباب» الذي تطوّر لاحقًا ليصبح «نادي مضر»، وقد صمّم أول لوحة للنادي وأسّس مكتبةً ثقافية بداخله، وأسهم في نشاطاته الثقافية والرياضية منذ بداياته.

الأثر الذي لا يُمحى

كان الأستاذ علي نموذجًا مشرفًا في التعليم، عاش حياته متواضعًا مخلصًا، مجسّدًا المعنى الحقيقي للمعلّم الذي يُعطي من قلبه قبل علمه، ويزرع في النفوس حبّ التعلم والانتماء. ترك أثرًا خالدًا لا يُمحى في قلوب طلابه وزملائه، وكان قدوةً ومثالًا في الصبر والتفاني والانضباط.

ولا تنتهي الحكاية

وهكذا تمضي الحكاية، لا كذكرى تُروى بل كأثرٍ حيّ نابضٍ في كل من عرف الأستاذ علي أو جلس أمامه يومًا. لم يكن مجرد معلّمٍ يُدرّس، بل نغمةً هادئة في نشيد الحياة، يسير على الأرض بثقل الرسالة وخفة العارفين.

تسير الأيام وتتبدّل الأسماء، لكن شيئًا من حضوره يبقى: صوته حين يشرح، وصرامته حين يضبط النظام بمحبة، وابتسامته حين يرى الفهم يثمر في عيون طلابه.
فسلامٌ عليه في تقاعده، وسلامٌ على أيامه التي صارت تاريخًا نقيًّا، وسلامٌ على كل معلّمٍ يشبهه لا ينتظر أن يُقال عنه شيء، لكنه يستحق أن يُقال فيه كل شيء.

الأول جلوسا.
الأول-وقوفا
(أحمد مهدي طحنون).
الخامس(أحمد حسن الجنبي)
السابع(المرحوم-علي سلمان المعلم)
الثامن(حسين
(تقي علي أبوشاهين).
الغائب في الصورة(المرحوم -عبدالله أحمد الصبيخي).

طلاب مدرسة حلة محيش الابتدائية-رحلة للجبيل-١٣٩٦هجرية.
مراسلك/يرتدي القميص الأبيض إلى جانب الطالب الحامل للمذياع (الراديو)