أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

ديمة اليتيمةً (3)

عبد العزيز شروفنا · القطيف اليومالأحد 12 أكتوبر 2025، 10:31 ص
ديمة اليتيمةً (3)

"مرت أيام عديدة على فك قيد ديمة، جاءت بنات الجدة ومعهن زوجات أبنائها الأربعة الذين يعيشون في نواحي متفرقة من المناطق الجديدة في الدمام والخبر . وكانت معهن لأول مرة ضرتها البيضاء ذات الخدود الوردية، التي أثارت فضول ديمة وقلقها. كانت ضرتها تبتسم ابتسامة هادئة، بينما كانت عيونها تلمع بفضول، وكأنها تدرس ديمة بتمعّن. لم يُسند إليها أي دور في الغسيل، بل ولأنها غريبة عن المجتمع، ومن باب اللياقة والاحترام أجلسوها على كرسي في زاوية مرتفعة من فناء المنزل، الذي كان يظلله شجرة سدر قوية الجدع، مخضرة أوراقها على مدار العام . كان الموقع يليق بمكانتها وهيبتها ، فمنه تستطيع رؤية كل فناء المنزل وتلاحظ كل خطوة يخطوها كل من تواجد في ذلك الفناء، وتعزيزا لمكانتها قدم لها مشروب الليمون مع النعناع، الذي حضرته لها وحيدة خصيصًا واحترامًا لمجيئها في كوب زجاجي مزين بنقوش خفيفة زاهية، مع قطعة من الحلوى على الجانب.

"أخذ الجميع على عاتقهم غسيل المنزل بالصابون ومنظفات الكلور والديتول، حتى أصبح المنزل يشع برائحة عطرة تشبه رائحة الزهور. كانت الضحكات تصدح، مرددات الأهازيج البهيجة والأناشيد المفرحة، وكأنها حفلة صغيرة. وبعد أن رتبوا سريرًا بمفارش جديدة لديمة، نقلوها مكرمة معززة ساروا معها بكل رفق وعاطفة إلى موقعها الجديد من الفناء المطل على السماء، والمضلل جزء منه بطربال من الخيش المشدود، الذي كان يلقي ظلًا لطيفًا على الأرض."

جاءت أحدى النسوة، من الأقارب وجلست بالقرب من سرير ديمة وأخذت تقرأ في كتاب مولدا نبويا، والنسوة يوزعن الحلويات على الأطفال الذين تواجدوا بكثرة في تلك الساعة من اليوم . كانت ديمة ذات الوجه القمحي ، والعيون الذابلة تبدو في هدوء وشرود، تتلفت يمنة و يسري للمحتفلين، كانت نظراتها الثلجية الناعسة تتسائل " لماذا كل هذه الابتهالات ؟ ولمن يتضاحكون هاؤلاء الأقرباء فرحا ؟ هل سيقيمون عرسا أخر لهذه البيضاء الأعجمية؟ ولكن لا جواب ، وكل ماهبت عليها أبخرة العود شعرت برغبة بالتقيئ ، ولو كان في وسعها لنهضت وأختبأت في احدى زوايا المنزل ، ولكنها آثرت الصمت والسكوت، مواصلة مد نظراتها الثلجية إلى ضرتها الغريبة و إلى ابنتها وحيدة التي أشرق وجهها، وبان بريق عينيها، وبانت أنوثتها الهادئة فقد بلغت سن السابعة عشر، وأنهت مرحلة الثانوية بتفوق، حتى انها كانت تجيد اللغة الإنجليزية إجادة تامة بسبب شغفها في تعلم اللغات .

"الحفل الكرنفالي يستمر بوصول أولاد الجدة الأربع، مرتدين ملابس أنيقة، كانوا جميعًا يحملون معهم أكياسًا ورقية مملوءة بالفواكه، وعلبًا معدنية ملونة بأشكال من الحلويات والشيكولاتة والبسكويت. احتلوا أماكن لهم على كراسي خشبية، كانت الابتسامة تزين وجوههم، وكان والد وحيدة صاحب البشرة البيضاء، والشعر الكستنائي والعيون البنية الفاتحة ، مرتديًا ثوبًا زاهيًا، وغترة مشجرة، منتعلًا حذاءً أسود صقيلة لمعته، كان جلس ملتصقًا بجسم أخيه الأكبر، موزعًا نظراته نحو ابنته وحيدة التي خطفت أنظار الجميع برشاقتها، وبين زوجته الأعجمية المندهشة من نمط الاحتفال، والاندماج والتناغم فيما بين الأطفال، شاهد في نظراتها الحسرة والتندر لعدم وجود أطفال لديها. ثم مال يتأمل زوجته ديمة بخجل، حيث تلاقت عينيه بعينيها مرات عديدة، تأملها شاحبة البشرة باهتة القوام، أين جمالها وبديع قدها؟ أين شهيتها إلى الحياة وحيويتها ومهجتها؟ لازال الشباب يطل بخجل من ملامحها، فهل ستعود ينابيع الحياة تجري في عروقها من جديد؟ كانت ديمة تشعر بالحزن والوحدة، وكأنها غريبة في هذا الحفل الصاخب، وكانت عيناها تملآن بالدموع، وهي تتأمل ضرتها البيضاء التي كانت تبتسم ابتسامة هادئة، وكأنها تحاول أن تظهر سعادتها بوجودها في هذا الحفل."

"لازال الأطفال بنات وأولاد ينشدون الأغاني الطربية المتداولة بين الناس، بينما كانت النساء يجلسن في زاوية بعيدة، يتفاعلن بالقدر الذي يسمح به المجال، وكأنهن ينتظرن حدثًا طيبًا. الشجرة الوارفة تنظر للجميع بشموخ، الكثير من العصافير تطير وتحط في أعشاشها تطمئن على صغارها، وما تلبث تحلق في فضاء السماء الرحبة وكأنها تحاكي فرحة المحتفلين. الشمس مالت مبتعدة، متسلقة الحيطان العلوية مفسحة المجال لهبات من نسمات رقيقة تتسلل إلى فناء المنزل، إذانا بالرحيل. هنا وقف الأخ الأكبر متهلل الوجه، طالبًا من الجميع الإنصات، قائلًا للجميع، 'هذا اليوم السعيد أتقدم إلى أخي "الشهم" طالبًا يد ابنتنا وحيدة، لابني الكبير بدر، وجميعنا نعلم برغبتها لبعض. وكان لوحيدة شرطين رحبنا بهما، أن تعيش أمها ديمة معها وتستمر في العلاج الذي بدأته، وأن تواصل دراستها الجامعية ، وقد قبل أخي وحبيبي بطلبنا، فماذا تقول الآن؟' فأجاب الشهم والدموع تترقرق في مقلتيه، 'طالما هذا طلب وحيدتي، فلا يسعني إلا مباركة رغبتها، والقبول بابننا بدر عريسًا لها، وخير البر عاجله'. أما علاج زوجتي ديمة فسوف أشرف عليه بتفسي ، وقد بدأت العلاج مع الطبيب الطيب ' وأن النتائج جدا مشجعة.

كانت النساء في الزاوية البعيدة يتبادلن النظرات والهمسات، وكأنهم ينتظرن الإشارة للانطلاق في زفة الفرح. أما ديمة، فكانت تجلس في صمت، وعينيها تملآن بالدموع، وكأنها تحاول أن تستوعب ما يحدث حولها.:

"كانت الزوجة الأعجمية المتعالية تنظر بكبرياء إلى ما يجري من حولها، ولسان حالها يقول 'هل تتم كل تلك المراسيم والتفاهمات دون إشراكي فيها؟ ودون أخذ رأيي؟ هذا أمر غير مقبول وغير مسموح به على الإطلاق! أين كرامتي ومكانتي؟ صحيح أنني غريبة عن هذه البلاد، وعن هذا القوم، وصحيح أنني مختلفة، والمحزن أنه لن تكون لدي خلفة، لذلك علي أن أطلب الطلاق وأرحل إلى بلادي البعيدة، فهذه المرأة ذات الملامح الجميلة ستعود حتما إلى جمالها الذي فقدته، فالعلاج أصبح متوفرا، ولا شك أن الشهم سيرجع إليها فهو يهيم فيها، هذا ما لمسته منه، خصوصا أنها لازالت في سن الشباب'.

طحنت الأفكار الأعجمية ، وكلما رأت تآلف العائلة، وتكاتفهم وانسجامهم مع بعضهم البعض، شعرت بالضيق يزداد، وما كان منها إلا أن تنسحب من المنزل دون أن تلفت نظر أحد من الحضور."
يتبع