الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الدرازي عطش الأمكنة (1-2)

عبدالعظيم شلي · القطيف اليومالجمعة 17 أكتوبر 2025، 10:49 م
الدرازي عطش الأمكنة (1-2)

لي صديق بمثابة أخ، ضمآن طوال العام لا يرتوي إلا في بلاد ما وراء النهر، دائم الارتشاف من انسياب جداولها وغدرانها منذ أربعة عشر عامًا، حواسه مصوبة عند التدفق والخرير، يتقفى آثار طريق الحرير، يوصفها بحدائق ذات بهجة تسر الناظرين، يتحدث عنها باستفاضة قولًا وحرفًا، لفظًا ونبضًا مثل عاشق ولهان، يراها نصف الدنيا ينابيع فيض، وكأن أنهار العالم لا تطفئ ظمأه وربما لا تعنيه، يحسبها ملاذًا للعطاشى، سابحًا في اللآزورد المتلألئ من آثارها الخالدة، يتماهى مع عشاق الحضارات القديمة الذين يأتون إليها من كل فج عميق.

يا ترى ما السر في هذا التوق الآخاذ، والارتباط الوشيج برغم بُعد المسافات.

تعود الحكاية لعام 2006م، حين جال ببصره حول استطلاع مصوّر عبر مجلة العربي يروي جماليات بلاد تُعتبر مفخرة البلدان بآثارها الخالدة، انبهر بالصور ولغة الاستطلاع وقرأه عدة مرات، وبين يوم وآخر راح يجمع المعلومات من كتب الرحالة قديمها وجديدها، ويكثّف البحث في عالم النت، يدون البيانات ضمن أوراق عديدة ويعيد النسخ في دفاتر أخرى، ويضيف سطورًا وإشارات، يصحح ويبين المصطلحات، يسهب في التعريف وزيادة التوضيح في الهوامش، يرسم خلف الأوراق خرائط وخطوط مسارات التحرك.

بعد مرور سبع سنوات من الجمع والتدقيق بات عنده وفرة هائلة وربما شاملة عن ماضي البلاد وحاضرها، وهكذا يفعل مع كل بلد ينوي زيارته، حيث يمارس الترحال خيالًا قبل أن يصل، سفرٌ على هدى وبينة.

حماسه متوقد وشغفه مطرد لزيارة دولة معروفة لكنها منزوية ومنكفئة على ذاتها، بسبب الإرث السوفيتي وحدودها الملتهبة مع الجيران واحتدام النزعة الأصولية داخليًا وخصوصًا في الوادي، توجسات أفضت بوضع آليات معينة أمام كل سائح، فليس من السهولة السفر إليها، فعلى القادم إتمام إجراءات معينة وتقديم بيانات شخصية مفصلة مع وجود دعوة من أحد الأصدقاء من داخل البلد معرّفًا باسمه وعنوانه.

ضاقت السبل ثم انفرجت، إذ لا يوجد أحد يرتب تلك الأمور في المملكة إلا مكتب سياحي وحيد يوجد في الأحساء بمدينة الهفوف، هو من ينظم وينسق ويرتب طريقة السفر وكيفية الوصول.

صديقي بعد عناء استكمل جميع المتطلبات، وكنت معه في استيفاء تلك الإجراءات، جمع دفاتره وحزم الحقائب قاصدًا الارتحال إليها، وهو الذي دعاني مسبقًا وأقنعني لرفقته، ليس للسياحة العابرة بل لمتعة الاكتشاف وسبر أغوار دولة حديثة عهد بالاستقلال. استجبت له بكل ترحاب، وفي الأساس لم يكن ينوي الذهاب لبلد مجهول إلا مع شخص يشاطره مغامرة السفر، ومع اشتداد حرارة الصيف تنفسنا فصولها الأربعة عام 2012م.

كنا منبهرين كلما مررنا بالأمكنة المتنوعة، نتأمل ونوثّق، حيث كانت مهمتي حمل كاميرا الفيديو لتصوير الحجر والبشر والطبيعة والنهر حسب سيناريو أعدّه سلفًا، يقف خلفي ويعلق بصوته من خلال دفاتره المتخمة بكميات هائلة من المعلومات حتى حسبته ليس قائدًا سياحيًا بل أكبر من ذلك، ظننته وهو يتلو على مسامعي بأنه أحد أبناء البلد وُلد وترعرع في فيافيها عارفًا بشعابها ووديانها وأقاليمها، سرده متناغمًا مع دهشة الأثر.

لقد جبنا مدنًا رئيسية ومررنا بقرى نائية وسلكنا دروبًا ترابية وعرة ذات تضاريس قاسية على مدى 25 يومًا، فحصلنا على فيلم مدته 8 ساعات، حين رجعنا للوطن لنشاهد ما تم تصويره أصبنا بخيبة أمل؛ صورة متحركة دون تسجيل صوتي!

برغم مرورنا بتجربتين سابقتين ناجحتين في التصوير ووضوح الصوت بتعليق محضر كتابيًا، الأولى سفرة إيطاليا وفرنسا عام 1990م، والثانية سفرة في ربوع إسبانيا 2001م، تأتي التجربة الثالثة نظرًا لتغير نوعية الكاميرا فنقع في خطأ تقني، فقط ساعة واحدة بصوت وسبع ساعات توثيق أشبه بالأفلام الصامتة، فقد انزاح زر التسجيل الصوتي من أصابع أحدنا دون قصد.

لكن صديقي المتيم لم يستسلم، وبعيدًا عن مآلات التصوير وقع أسيرًا في حب بلاد ما وراء النهر، شدّ الرحال لها ثانية وثالثة ورابعة وخامسة وسادسة بصحبة شريكة حياته، شغفٌ متجدد قاده لتأليف أربعة كتب موزعة في المكتبات، بيع منها الكثير، ويستعد قريبًا لإصداره الخامس.

الكتاب الأول شامل ومتعدد الجوانب، يربو على 500 صفحة، يروي فيه مشاهداته العينية المحسوسة، الموثقة بالكلمة والصورة، مستندًا على المصادر التاريخية حسب السياق، وعن الكتاب وارتحالاته المتكررة التي جاب فيها طول البلاد وعرضها كتبت بدوري أربع حلقات بعنوان «مسافر زاده الخيال» نشرت في القطيف اليوم عام 2018م.

خلال تلك الزيارات المتتابعة كوّن صداقات عدة مع شخصيات فنية وثقافية وباعة وحرفيين، وفاض بالكتابة عنهم ونشر صورهم في كتبه، فزادت أواصر العلاقات معهم بودٍّ أخوي وتعارفٍ أسري، دعوات كريمة يتلقاها ليكون ضيفًا عزيزًا عندهم، يستجيب للبعض ويعتذر عن آخرين. لقد خبر سلوكياتهم الراقية المتمثلة بتقديرهم العالي لحسن الضيافة التي يعتبرونها تاجًا على رؤوسهم يفاخرون بها أيما فخر، فهي من صميم أخلاقياتهم المتوارثة.

فرشت له موائد مما لذ وطاب من أطباقهم الشهية، ومتذوقًا صنوف الفواكه من واحاتهم الخصبة ووديانهم الخضراء، كرم أرض بكرم أخلاق وحسن معاملة تسريان في عروقهم، هو التاريخ المروي عنهم من قديم الأزمان.

صديقي كلما وطأت قدماه مدنهم العتيقة فتحوا له القلوب قبل الأبواب، يحفون به بكل الحب والترحاب وسط منازلهم التقليدية المفتوح فناؤها على السماء، يأنس بدفئهم الإنساني وروحهم المضيافة، فأصدر كتابًا أسماه «موائد السماء»، يروي فيه مشاهد المآدب التي دُعي إليها وكيف أتت من تلقائية شعب أصيل عينه على الضيافة، يتقصدها بإكرام الضيف حتى لو كان غريبًا، وكيف والحال حينما يكون عربيًا مسلمًا وبالأخص من بلاد الحرمين الشريفين، بمجرد أن تقول لهم (أنا من بلاد مكة والمدينة) تهل دمعاتهم شوقًا للأمكنة المقدسة ويتمنون أن يرزقهم الله الحج والعمرة، ومن أتى يريدها ثانية إلى عاشرة.

ينضح الإيمان من محياهم وهم يتوسلون عند قبور الأولياء الصالحين والأتقياء وأعلام رواة الحديث المنتشرة في بلادهم، يذوبون وجدًا عند مقامات المتصوفة، يستمدون المدد لشفاء مريض ولمّ شمل وتفريج همّ وطلب ذرية، قلوب تلهج بالتسابيح والذكر، كفوفهم تتبرك بالماء البارد المسكوب على الوجوه، ويشربون لهفة من نبع مجلل بقداسة تربة الولي، آمال معقودة عند كل زيارة بتجدد الحاجات وتحقيق الأمنيات.

تفترش النسوة بضاعتهن التقليدية عند صروح معمارية أثرية وتحت ظلال مداخيل الأضرحة، ينادين بنغمات متعددة على العابرين طمعًا في الشراء، يعم الصمت حين تسيخ السمع إحداهن لتعليق صاحبي على المكان أثناء التصوير، فتدرك بيانه العربي بفصاحة لغة الضاد، وتقول له: (عربستان)، فيجاوبها بتأكيد وابتسامة، تبادله التحايا بانحناءة رأس، وتنادي على رفيقاتها أن يتجمعن حواليه، يطلبن منه أن يتلو عليهن ما تيسر من الذكر الحكيم، يقرأ على مسامع الحضور السور القصار، وأثناء التلاوة يخفضن رؤوسهن في خشوع تام ولا يرفعن طرفهن إلا بعد الانتهاء، ثم يمسحن وجوههن بأيديهن لأن هواء المكان تعطر بنفحات إيمانية، بملء القلب يغدقن عليه هدايا بما تجود به أنفسهن: هذه تعطيه قلمًا، وتلك وشاحًا، وأخرى كرسيًا لمصحف صغير، وعجوز تقبّل يديه، فيسحبها ويقبل رأسها فتدس في جيبه مسباحًا مميزًا، وشابة مثل نجمة الصبح تقدم ميدالية مع ابتسامة طفولية، وفي تجوال آخر طلبت امرأة حامل أن يتلو لها آيات من الذكر الحكيم، وما إن بدأ بالبسملة وضعت على رأسه (طاقية) من صنع أناملها المبدعة مزينة بزخارف ملونة، وبعد أن قال «صدق الله العظيم» ناولها الطاقية ظنًا منه بأن لا يتلى القرآن والرأس مكشوف كعادة المقرئين عندهم، فردتها إليه فرحة بحسن تلاوته هدية امتنان، غطاء رأس تاج لرجالهم أصحاب القلوب السمحة وجلال الشخصية المتدينة، رمز للوقار وهوية للمكان.

صاحبي مأسور بأخلاقيات شعب أصيل، الطيبة سجيته، والهدوء لغته، والكرم طبعه لمن يُحسن أن يراهم عن قرب وليس كعابر سبيل.

ذات مرة عند مقامات وأضرحة (جهار بكر) التي تحف بها البساتين الخضراء كانت الطواويس منتشرة في فناء المكان، ناداه سائح ألماني وهو سارح في انعكاس المنارات على صفحة بركة الماء، التفت إليه والابتسامة على المحيا، بعد الترحاب والتحايا، كلٌّ عرّف الآخر باسمه وموطنه، تشاركا حديثًا وإعجابًا في قدم الأبنية وروعة المعمار والشمس مائلة للغروب، بادره الألماني بسؤال لم يخطر على البال: (أتدري أين وجدت الإسلام الحقيقي؟) فقال له: أين؟ أشار له الألماني بإصبعه للأسفل نحو الأرض (هنا، هنا وجدت الإسلام)!

أخذه صاحبي بعناقٍ أخوي مثمنًا جملة نابعة من القلب، لم تأت من فراغ، هي انعكاس لما لمسه واستشعره لأخلاقيات شعب ممتلئ بالنبل وصدق التعامل.

بهاء الأمكنة وجلال الأثر حنين لأمجاد خلت، أرواح من شيدوها حاضرة كنبع لا ينقطع تدفقه، فيض أخلاق متوارثة تروي الأنفس العطشى.