الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

انبعاج العقل وانبطاج النفس

حسين المحروس · القطيف اليومالأحد 19 أكتوبر 2025، 2:32 م
انبعاج العقل وانبطاج النفس

أخي القارئ، هل جرّبت يومًا أن تثقل نفسك أكثر مما تحتمل؟ أن تجهد عقلك في التفكير حتى تشعر أن رأسك يغلي، وكأنك قطار مسرع فوق القضبان ٍ في شدة ظهيرة حرّ يولية؟ هناك، في لحظة الإجهاد القصوى، يحدث ما نسميه انبعاج العقل. تمامًا كما تنحني سكة الحديد عندما تتمدد بفعل الحرارة الزائدة، ينحني العقل عندما يعييه التفكير المفرط، والقلق المدمر، والبحث المستمر عن الاستقامة. يبدو في ظاهره قويًّا، مشدودًا، لكنه من اعماقه قد بدأ يفقد استقامته, فانبعج.

تبدأ صغيرة وتكبر مع الوقت, ضغط عمل، خلاف عائلي، تراكم مسؤولياتٍ لا تنتهي. يجول في خاطرك: “سأتحمّل، انها فترة قصيرة.” لكن “الفترة” تمتد، والحرارة ترتفع، والعقل يواصل التحمل بصمت مريب. ثم فجأة، تجد نفسك متوتّرًا دون سبب، يصعب عليك اتخاذ أبسط القرارات، تضيع في التفاصيل الصغيرة. هذا هو الانبعاج الخفي: عندما يستنزف العقل فلا يعود يرى الخطّ المستقيم، وعندها يتحوّل التفكير من وسيلةٍ للإدراك إلى عبءٍ ثقيل على القلب.

في العمل، ربما تعيش هذا كل يوم. مثلا, مدير يريد الهيمنة على كل شيء بنفسه، لا يثق بفريقه، يظن أن الضغط يولّد الإتقان مع انه واقعا يولد الانبعاج الجمعي. بعد فترة، تراه قد فقد صبره، وبدأ يصرخ لأتفه الاسباب. ليس لأنه عنيف بطبعه، بل لأن “سكة تفكيره” لم تطق بالضغوط المتلاحقة ذرعا فانبعجت وتشوهت. الانبعاج لا يعلن عن نفسه فجأة، بل يتسلل الى الاعماق في صمت مريب. يغيّر طريقة الرؤية إلى الأمور، فيجعل البسيط معقدًا، والمعنى مشوشًا، والناس أعداءً بدلاً من شركاء.

أما انبطاج النفس، فهو تشوه في سكة الحديد ليس بسبب السكة نفسها ولكن بسبب الأرضية التي تتمدد عليها. ليس عن ضغطٍ مفرط، بل عن فراغٍ وتخلخل في التربة. كذلك حين تهبط الارضية التي تستند إليها النفس، تفقد الشغف بما تفعل، تتكرر الخيبات الصغيرة فلا تعود تبالي. ترى الشخص يؤدي عمله ببطء، يعيش أيامه بروتينٍ آليّ، يتصنع البسمة الباهتة بلا روح. النفس هنا لم تتمدد بانبعاج، بل هبطت بانبطاج صامت، تفقد قوتها شيئًا فشيئًا، كما يتدهور الرصيف تحت وطىء المطر بهدوء دون أن يلاحظه أحد.

انظر حولك، أخي القارئ. كم من صديقٍ تعرفه كان يومًا ممتلئًا بالحيوية، ثم صار شاحبًا بلا سبب واضح؟ وكم من إنسانٍ يضحك كثيرًا ليخفي انبطاج قلبه من الداخل؟ النفس حين تُهمَل، تضعف بنيتها. تحتاج إلى رعايةٍ, قليل من الترويح عن النفس، جلسة مع من نحب، لمسة امتنانٍ حقيقية. فالأرض التي لا تُروى سوف تجف، والنفس التي لا تُغذّى بالتواصل مع الناس والسكينة والعبادة (الا بذكر الله تطمئن القلوب)، تهبط وتفقد تماسكها.

لعلك تعي الان الفرق بين الانبعاج العقلي والانبطاج النفسي, فمع انهما وجهان لعملة واحدة, الا ان أحدهما من فرط الضغط، والآخر من فرط الإهمال. العقل يحتاج إلى فسحة، والنفس تحتاج إلى نزهة. لا يمكننا أن نفكر بعقلٍ متوتر، ولا أن نحب بقلبٍ موتر. إنّ توازن الإنسان يجانس توازن القطار على سكته, إن مالت القضبان أو هبطت الأرض، حدث المحذور. لذلك، علينا أن نصون باطننا كما نصون خطوط الحديد — بدكّها، وتنظيفها، وتخفيف حرارتها.

حين تشعر أن أفكارك بدأت تتشوش، وأنك لم تعد ترى الأشياء بعين البصيرة، لا تواصل الجري. توقّف قليلًا. خذ قسطًا من الصمت، جرب لذة الخلوة مع الله في جوف الليل، ابدا حديثًا صادقًا مع خالقك تبث اليه شكواك. أو حين تحسّ أن روحك بدأت تبهت، ازرع فيها بعض الضوء, ابتسامة، صلاة نافلة، قراءة قران، لحظة تأملٍ أمام الغروب. تلك التفاصيل المهمة تعيد للنفس قوامها، كما يعيد المطر للنبتة لونها الأخضر الفاقع.

في نهاية الأمر، تذكر يا أخي القارئ، اننا لسنا آلات تفكر وتعمل فحسب بدون روح، بل نحن وجودات تحلم وتخاف وتحتاج وتضعف. العقل المستقيم يحتاج لقلبٍ سليم، والنفس القوية لا تنهض دون فكرٍ متزن. فاحرص على أن تكون سكتك الداخلية متوازنة، لا منبعجة بضغط الأفكار، ولا منبطجة بثقل الإهمال. لأن الإنسان حين يفقد توازنه بين العقل والنفس، يضل طريقه، حتى وإن ظنّ أنه ما زال يسير في الاتجاه الصحيح. إن أعظم هندسة في الحياة، هي أن نحافظ على الخيط الرفيع من التوازن الدقيق بين الاستقامة والاعتدال، وسط حرّ هموم النفس وبرودة جمود العقل, امر بين امرين, بلا انبعاج ولا انبطاج.