أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

إليك بُني.. "27".. الغرور

جمال الناصر · القطيف اليومالجمعة 24 أكتوبر 2025، 2:06 م
إليك بُني.. "27".. الغرور

في صباح، جلست فيه قلقًا، وإذا برسالة منه، يطلب مني الذهاب إلى مكان ما، وحين سألته عن السبب، أجاب: أريد أن أصنع يومك.

حينها انتابني الصمت، أحسست بشيء، لمساته ببطء داخلي، كانسياب الماء البارد.

كان الشتاء، يلبس الأمكنة، حُبيبات المطر، تصافح زجاج السيارات، تنساب عليه، كظلي..

نمشي في هُدوء، نتأمل هذا المشهد الخلاب، وكأنه الشفاء إلى الروح، فيَّ.

استقرينا في المقهى، وضع النادل القهوة على الطاولة.

كنا نُحدق في بعضنا، عيناه تتأمل عيني، بُرهة من الصمت، تضج بالكثير من البوح، العاشق إلى لحظات التجرد الروحي من الجسد؛ لعناق روح، تسكن جسدًا، ليس أنت.

وكالعادة في جلوسنا مع بعض، يأخذنا النقاش، تحدثنا عن الغرور، وتأثير حُب "الأنا"، السلبي في حياة الإنسان، وكيف تقنينها، كي لا يُصاب بداء الغرور.

حدثني، وعيناي تتأمله:

إن الغرور، هو الداء الذي ينخر كل شيء، ويُرهل الشخصية، كسوسة النخيل التي تُفسد النُّخيلات.

من خلاله، لا يرى المُبتلي به سوى نفسه، وكأنه أول حرف في الأبجدية، وآخرها، ودائمًا يعتقد أن الآخرين في حاجة إليه، وبأنه لا استغناء عنه، خلافًا للواقع، والذي ينبغي فيه أن يتصالح الإنسان مع نفسه، ويعرف مكانته الفعلية حقًا، ويتواضع في كل حدب وصوب.

إن الغرور ناشئ عن حُب "الأنا"، المُفرط، والذي تعدى الحالة الطبيعية، ناهيك عن الجهل بشقيه، أكان جهلًا نابعًا عن عدم المعرفة، أو جهلًا مُركبًا، والذي يُشير إلى عدم العلم، بكونه لا يعلم بأنه لا يعلم.

أتعلم بُني..

مع هذا التطور الكبير، والذي أفرز التوسع في التواصل مع الآخر، وذلك بوجود قنوات التواصل الاجتماعي، وبعيدًا عن الناحية الإيجابية، والتي لا أريد الحديث عنها؛ لأسلط الضوء على الغرور الذي وجد المسافات مُشرعة؛ ليبرز في اتساع شُرفته، وما تستدعيه "الأنا".

نحن واهمون بما يطلق عليه "الشهرة"، فأصبحنا نلوذ بها، وكأنها الارتواء، لما نُعانيه من الغرور، حيث جعلتنا في تدوير التعامل معها، وبوصلتنا، هي "الأنا".

بُني احذر..

لا تتعامل مع قنوات التواصل الاجتماعي، وكأنها الطريق إلى الشهرة، لا تعيش هذا الوهم، ولكن على خلاف ذلك، استفد من هذا التطور في تنمية ذاتك، وثقافتك، والتواصل مع الآخرين من خلال القيمة، والنوعية في المحتوى الذي تُقدمه، واللغة التي تتسم بالقيم والأخلاق، فإن هذه القنوات مُجتمع افتراضي، كمرآة إلى المُجتمع الحقيقي، إلا أنه افتراضي، يستوجب أن يكون الإنسان دقيقًا في التعامل معه.

أيضًا، فإن الغرور، هو مُدعاة إلى الكسل والتبلد، وذلك بكونه يأخذ الإعجاب بالنفس إلى الرضا المُطلق، مما يُخالف السعي الحثيث إلى التكامل، والذي هو جوهر الإنسان، من يُجاهد نفسه، ويُروضها في سبيل التكامل، هو الطريق الصحيح، فالنفس أمارة بالسوء، قال تعالى في الآية 53 من سورة يوسف: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

من هنا بُني..

إن المدح الذي يأتيك، نظرًا لما تُقدمه، هو حالة طبيعية، فالآخرون، يُعجبون بما يرونه، وقد يُشيدون به، ولكن عليك أن تتحلى بثقافة المدح، بكونه على ما يُقدم، ولا تجعله هدفًا، أساسيًا في حياتك، فالأهم أن نُتقن ما نُقدمه، لا أن نطلب المدح.

هناك فرق بين الاهتمام بما نُقدمه، كهدف أساسي، وبين اهتمام الآخرين بنا، فإن لهم انطباعاتهم.

وعليه، إن جاء المدح، سيبعث البهجة في ذات الإنسان، وهذا أمر لا خجل منه، أو نفور، ولكن المعني بأن لا نتخذه طريقًا إلى الوقوع في آفة الغرور.

بُني..

إن الاعتياد على المدح، يجعل منه حالة تلازمية في ذاتك، لدرجة أنك سوف تسعى إلى تقديم الأشياء؛ لهدف المدح، لا إلى القيمة الفعلية، وهذا يُشكل مُنحدرًا، سيجرك إلى التعب النفسي، وإلى القلق من تميز الآخرين، والتقليل من شأنهم؛ لتشعر بأن تميزهم، جاء تقليلًا من شأنك.

والسؤال الذي يجيء، هو: هل الأنا دائمًا، تُشير إلى الحالة السلبية، أم إيجابية في مواضع أخرى؟

بُني لا يُفهم من حديثي..

إن حُب الإنسان إلى ذاته، يُمثل حالة سلبية، إطلاقًا هذا غير صحيح، فالإنسان السوي، هو الذي يُحب ذاته، ولكن ما أردته، أن لا يكون حُب الإنسان إلى ذاته، يأتي تعديًا على الآخرين، أو التقليل من شأنهم، وعدم تقديرهم واحترامهم.

وعليه، طالما هذا الحُب الذاتي، هو ذاتي في حيثياته، ومُؤثر إيجابي، فإنه الحُب البهي، والحُب الذي يكون سببًا لكل ماهو جميل.