فضاء يعج باليتامى

في لحظة تأمل، رأيت كوكبًا يتيه في الفضاء بلا نجمٍ يدور حوله! كأنّه طفلٌ فَقَدَ يدَ أمّه وسط الزحام الكوني، لا نهار له ولا ليل، ولا دفء شمسٍ تَحُتضنه. العلماء يسمّون هذه الاجرام ب«الكواكب المارقة» — تلك التي خرجت عن مدارها أو لم تُولد اصلا في نظامٍ نجميّ، فصارت هباءا في الظلمة وحدها، تبحث عن معنى الدوران بعدما فقدت روح الانتماء.
هل تعتقد ان عدد هذه الكواكب الهائمة في مجرّتنا قد يفوق عدد النجوم ذاتها؟ وكأن الفضاء يعجّ باليتامى! بعضها بحجم الأرض، وبعضها أكبر من المشتري، سائبة في صقيع البرد المميت والظلام المطلق المخيف، لا يربطها بالكون سوى قانون الجاذبية العامة. لكنها مع ذلك باقية، تجري لمستقر لها بصمتٍ مطلق كروحٍ ترفرف ولم تجد صدرا تأوي اليه.
وفي خضم تأملي لهذه الكواكب، لمحت فيها صورة الإنسان حين يفقد “شمس” روحه. حين يغادر مدار الإيمان، وصدق الحب، ويبدأ بالتيه في مجرّة الحياة الدنيا وشهواتها بلا وجهة ولاهدف. يعيش بيننا، بصمت، لكنه يرتجف من بردٍ لا يدفئه المال، وفي ظلامٍ لا تضيئه الشهرة. يظنّ أنّه حي، لكنه في الحقيقة جثة فاقدة لمدار حياتها.
أخي القارىء أختي القارئة، نحن جميعًا نقترب أحيانًا من حافة المروق. حين نُغادر صوت الضمير ونبتعد عن دفء الآخرين. وحين نفقد “المركز” الذي يمنح لحياتنا إيقاعها واتزانها، نتحوّل شيئًا فشيئًا إلى أجسامٍ تتحرّك بلا بصيرة، لا يُمسكها سوى قانون العادة، مثلما تمسك الجاذبية تلك الكواكب اليتيمة في مساراتٍ عشوائية لا فجر فيها ولا غروب.
إن الكون، بحكمة الله، يصقل فينا بأن البقاء في حركة المدار. يكون فقط في الدوران حول أمر الله ونهيه. ان النفس، إن لم تجد شمس طاعة الله، انطفأت، وإن لم يكن لها مدار رحمة الله، تبعثرت وتشتت وتشردت.
لعلي لا ابوح سرا هنا، قبل أيام، جلستُ مع شابٍّ أعرفه من حينا القديم. كان يتلذذ بالعصير في المقهى وحده، هذا الشاب لا يزور أحدًا ولا يقبل التواصل مع الناس، لا يفرح بزفافٍ ولا يحضر عزاءً، يعيش على هامش المجتمع كأنه لا ينتمي للبشر. قال لي بابتسامةٍ باردة: “تركتُ الناس لأعيش بسلام.” لكنني بالمقابل لمحت في عينيه فراغًا من سنخ فراغ الفضاء. سلامه كان باهتا، وصمته كان تيهًا. تذكّرته بعد المجلس، ودار في خلدي: لعل هذا من الهبائيين الذين يعيشون بيننا كالكواكب المارقة، بلا دفءٍ من العائلة، ولا مشاركةٍ في الأفراح والاتراح، ولا حضورٍ في مواسم أهل البيت (عليهم السلام) ، تلك التي تُحيي القلب بالولاء وتمنح الروح الثبات في مدارها والصدق في انتمائها.
لئلا تخرج ، يا أخي الكريم، عن مدار بحثنا، اتمنى ان يتّضح لك الان بأن المروق ليس محصورا في الكواكب فقط، بل حتى في البشر أيضًا. فمن ترك دفءَ الصحبة وفقد انتماءه لأهله ومجتمعه، صار كوكبا مارقا ضالا تائها يتيما، خرج عن نظامه، يعيش ظلمةً روحية مهما تزخرفت له الدنيا. لا يُدفئه إلا الانتماء، ولا يُنقذه إلا أن يجد شمس روحه — في قبس الإيمان، ومنار الارتباط بالوسيلة الى مصدر النور والمركز والاتزان. فمن دار حولهم، ثبت في مدار حياته، ومن ابتعد عنهم، حاد وضاع وفقد ومداره ،يتيما، في فلك التيه مهما توهم أنه حرّا.



