أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

تأملات في الحرارة

حسين المحروس · القطيف اليومالثلاثاء 28 أكتوبر 2025، 3:22 م
تأملات في الحرارة

قد تصاب بالحرارة لعدة أيام، فتنقطع عن بعض نشاطاتك، ألا يجدر بك بعدئذ أن تتأمل في كنه الحرارة؟ ولأن الموضوع متشعب وقد تتفرع منه أركان عدة، لذا سنحاول التركيز هنا فقط على المحور "الكمي" للحرارة. مهلًا، قبل الغوص في عالم الكم السحيق، سوف نسرد بعض الجوانب الأخرى لمفهوم الحرارة بغية الاستبعاد لا رجاء الإسهاب، وذلك لكي يستبين المطلب. معلوم لدى جنابكم الكريم أن الحرارة المعنوية -مع أن هذا النوع ليس محل بحثنا- تتمثل في انفعالات النفس الداخلية كالحب والرحمة، ولذا يمكن إدراكها بالجنان وقياس صدقها بالأقوال والأفعال. كما أن هناك محورًا آخر لا نود التطرق إليه في هذه العجالة يتمثل في معالجة الفرق بين كمية الحرارة ودرجة الحرارة، فعلى الرغم من أنهما من النوع المادي، إلا أننا نصر على استبعادهما حتى لا يتشتت ذهن القارئ. وبهذا يصبح مدار كلامنا منحصرًا فقط في سبر أغوار الحرارة المادية من خلال العدسة الكمية.

سوف نتسلل، وأنت يا صديقي في معيتي، بفكرنا لأعماق عالم الذرة، بغية الوصول لمفهوم أدق لكينونة الحرارة على صعيدها الكمي. وقبل الولوج، وبعيدًا عن المصطلحات البراقة، قد تتساءل -ولك مطلق الحق- ما هو عالم الكم هذا الذي صدعتمونا به حتى إنه قد ساهم في ارتفاع درجة حرارتنا؟ الجواب ببساطة، هو عالم الذرة وما دون الذرة من مكوناتها، عالم ينحني فيه اليقين إجلالًا للشك ويتربع فيه مفهوم الاحتمال والتلاشي على عرش التوقعات، بحيث مثلا، لا يمكن الجزم بوجود إلكترون معين في زمكان معين، بل أن أقصى ما في جعبتنا هو التنبيء باحتمالية الوجود المشوشة بفرضية التلاشي.

بعد هذه التوطئة، أصبح منتهى سقف توقعاتنا منخفضًا إلى لحظة إدراك مفهوم الحرارة حال تجليه في أسخن صورة على شكل طاقة قادرة على تحريك كل شيء داخل نطاق الذرّة. والمدهش في الأمر أن كل هذه الحركة الذرية الصاخبة تحدث في صمتٍ رهيب. وكنتيجة متوقعة لهذه الحركة، أنها تعيد ترتيب عالم الذرة (وبالطبع عالم الكون بأسره، لأنه مكون من ذرات) بهدف الوصول إلى حالة الاستقرار والاتزان الكوني على مبدإ (وأساس وقانون وسنة) من التعادل الحراري. بلهجة عامية، كل شيء يسعى لأن يصبح في نفس درجة الحرارة الموحدة، وهي درجة حرارة الكون بعد الانفجار، وفي سعيه الحثيث هذا نحو البرودة، كل شيء فيه يتحرك.

نلخص فنقول، الحرارة هي انعكاس للحركة، فلا حركة دون حرارة، ولا حرارة دون حركة، لانفكاك بينهما، بل إنهما مندكان متداككان في بعضهما البعض، في توأمية وتناسخ عجيبين. فيلزم من ذلك القول إن الحرارة هي أبسط صورة حسية ملموسة للطاقة، مترجمة وبارزة للعلن على شكل اهتزازٍ في أعماق المادة، وفي حركةٍ دؤوبة بين الجزيئات، تؤول إلى انتظامٍ في ديناميكية لا تعرف للسكون طريقًا. عمليًا، إننا حين نجلس أمام المدفأة، لا نواجه لونًا أو لهبًا، بل نحن نلامس ذرات الهواء المحيطة بالمدفأة وهي تهتز وتنقل طاقتها إلينا عبر حركةَ الذرات في أجسامنا، وهكذا الكون كله بجميع أجزائه ينحو نفس المنحى، ذرات تلامس ذرات، لتصبح جسرًا فتهاجر من خلاله الحرارة من وسط لآخر.

وإذا راق لك العوم معي طولًا لا عرضًا في عالم الكم، فاعجب من حقيقة فاضحة وهي مع أن الحرارة لا تُقاس بالميزان (الثرمومتر)، كيف يمكن استيعابها على أنها (المعدل الزمكاني الموزون) لسرعة حركة الجسيمات في المادة، مترجمة على شكل حرارة. نحتاج لتأسيس قاعدة بسيطة ليسهل هضم هذا المفهوم. القاعدة تريد أن تقول: كلما ازدادت سرعة اهتزاز الذرات، كلما بالنتيجة ارتفعت درجة الحرارة، وكلما تباطأت اقتربنا من الصفر الكوني كلفن. هذا الاهتزاز المجهري هو قلب الحياة المادية، وهو ما يجعل الحديد يتمدد، والهواء يصعد، والماء يتبخر. فالحرارة إذا يا صديقي ليست شيئًا يُضاف من الخارج، بل هي حالة داخلية من النشاط الذري تنعكس على الخارج في شكل حرارة تلسعك. وهي في انتشارها بالطرق الثلاث المعروفة لديكم، التوصيل، والحمل، والإشعاع، تُظهر أن المادة حية تنبض بوعي في حركةٍ دؤوبة لا تهدأ.

ولكن يبقى السؤال عالقًا وساخنًا في ذهن القارئ، كيف تنتقل الحرارة في عالم الكم؟ ببساطة، الحرارة لا تنساب بسلاسة كما تبدو لنا في عالمنا الواقعي هذا، بل إنها تختار أن تنتقل عبر كمّاتٍ (كميات خاضعة للاحتمال والتلاشي) محددة من الطاقة، تتبادلها الجزيئات فيما بينها، كما يتقاذف الصبيان الكرة، وفق قوانين دقيقة. وعليه فإن كل انتقالٍ حراري هو ناتج من رحم التفاعل بين الذراتٍ التي كانت للتو قد تناقلت الفوتونات فيما بينها، في مسارٍ منظمٍ (أو عشوائي)، كما لو أن المادة تسعى لأن تتواصل كميًا بلغةً لا يحس بحرارتها إلا ذوو البصيرة. هذه الكمّات الصغيرة -التي نسميها “الكوانتا”- هي الصرخة التي تحملها المادة إلى عالمها الخارجي، لتُعلن لنا بصوت مبحوح عن حالتها الداخلية، فندرك نحن ببطء وسذاجة ما إذا كانت المادة باردةً أو متقدة.

نكتفي بهذا القدر اليوم، ولئلا نثقل عليكم، سنطوي كشحا عن بقية الحديث لهذا التأمل كطبيعة احتراق النجوم، والتفاعلات الكيميائية والفيزيائية، والعلاقة مع الإنتروبيا (ُEntropy) الكونية. أتمنى أن تكون قد ارتفعت درجة توقد ذهنك بعد قراءة هذا المقال، من جهة أن التأمل في الحرارة يشكل جزءًا من الوعي الأشمل لبنية الكون. إنها الرابط الخفي بين الحركة والطاقة، بين الضوء والمادة، بين الجماد والحياة. فمن دونها يتوقف كل شيء، لا تبخرٌ، لا رياح، لا تيارات، ويقينا لا حياة. فالحرارة يا صديقي هي بمثابة القلب النابض في صدر المادة وشعاع روحها، بل إنها صوت الكون حال تحركه في صمت، وهي أحد أعمق أوجه الطاقة حين تتجلّى في أبسط صورها.