متكئًا على يديه.. «3» والأخير

كادت السيارة أن تنحرف عن مسارها، فقد تشوش ذهني، بعد أن رأيته واضعًا يديه على جبينه، يُخاطبني بصوت أرهقه الحنين، بأن زوجته قد فارقت الحياة، كانت دُموعه تنساب بهدوء، وكأنها تحمل رسائل شوق إليها، حيث استقرت روحها.
استجمع أنفاسه، ثم سألني، وفي الحقيقة، كان يسأل نفسه، مُتحسرًا، أتعلم ماذا حدث؟
أومأت برأسي نافيًا، فاستطرد: مرَّت ثلاث سنوات على رحيلها، أصبت خلالها بالتعب، والمرض، ومع ذلك، هما "ولداي"، لم يُفكرا يومًا، بالسؤال عني، لا زيارة، أو اتصال، اعتدت الوحدة، وأدعو ربي أن يكونا دائمًا بخير، فبرغم كل ما حصل هما "نور عيني".
أشار إليَّ بأن أتوقف عند مطعم في الجهة اليُمنى من الطريق؛ قدم شكره لي، ودعاني؛ لأكون ضيفًا عليه، لكنني اعتذرت له، فقد أحسست أنه مُنهك من تذكار ما مرَّ به، وطلبت منه أن يعتبرني كابنه ويسمح لي بزيارته؛ للاطمئنان عليه، وقضاء ما يحتاجه.
نظر إليَّ بحنان، كنت في حاجة إليه، وابتسم بدفء، ورفع يديه مُودعًا، يدعو لي بكلمات خرجت من قلب أضناه الأسى، واحتضنته الغربة.
أدرت مقود السيارة، مُتوجهًا إلى حيث يأخذني الطريق، أفكر في مُعاناتي، هذا الصمت الذي يجتاحني، يلتهم شيئًا من روحي، ويأكل من جسدي.
لم تمض لحظات طويلة، وإذا بي عند شاطئ البحر، أتأمل أمواجه، زرقة مياهه، أحاول إعادة ترتيب ذاتي، وأفكر من زاوية أخرى، والتي لا أكون فيها مُبررًا لنفسي، وأضع الأعذار لها، بل أضعها تحت المجهر؛ لأكتشف السبب الحقيقي وراء ما أعانيه، فقد أكون "أنا" السبب في ذلك.



