حين ماتت شجرة الليمون في بيت جارتنا قبيل أن تموت الجارة!

تزامن أن سكنّا دارنا شتاء عام 1986م - بعد أن انتقلنا من جزيرة تاروت - في نفس الفترة مع جارنا المرحوم جعفر مكي الحيدر (حماد) وزوجته. من أجمل الجيران. مرت الأيام وأنا أرى جارنا المرحوم جعفر (أبو موسى). أبادله التحايا وبعض الأحاديث. زرع جارنا شجر ليمون. كبر شجر الليمون، بان شجر الليمون من أسوار داره وأثمر بكثافة.
مرض أبو موسى وانتقل إلى مسكنه الدائم يوم الخميس 25 شوال 1443 هجرية. بدأ شجر الليمون يَشحب وتصفرّ أوراقه وتذبل أغصانه بعد موته حتى جفت أغصانهُ ومات قبيل أيام أو أسابيع قليلة. كلما أمرّ على باب دار جارتنا أقول سبحان الله! كيف لهذه الشجرة الكبيرة أن تموت؟
مات شجر الليمون وماتت جارتنا المرحومة مدينة عبد الواحد آل حيدر (أم موسى) وانتقلت إلى دارها في الآخرة يوم أمس الخميس 15 جمادى الأولى 1447 هجرية.
البقاء لله، الموت مصير كلّ حي! عندما تلقيت نبأ وفاة جارتنا أحسستُ أن يدًا اقتلعت شجرةً تظلل الحياة. شجرة الجار الطيبة التي تبحث عنها قبل الدار. امرأة عفيفة لم أكلمها يومًا واحدًا مع ذلك أشعر كأنني فقدتُ أختًا أو خالة أو عمة! لا عجب أن جاءت وصايا الله سبحانه وتعالى والنبي محمد صلى الله عليه وآله بالجار "ما زال جبرئيل عليه السلام يوصيني بالجار حتى ظننت أنّه سيورثه".
قبل أن تبني قاعدةً صلبة لبيتك تدوم مئات السنين ضع حجرَ الأساس في بناء القاعدة الصلبة مع الجيران. ازرع شجرة المحبة واسقها بالمودة فأنت لا تعلم متى تهب رياح الأقدار وتقتلعهَا. قبل أن تعمر الدار بأقوى الأحجار عمرها بأطيب الجيران فإنّ "حسن الجوار يعمر الديار ، ويزيد في الأعمار".
أظنّ أنّ أرواح الأزواج الطيبين تبقى تترقب بعضها كما يترقب المسافر الخلاص من الوحدة. تفرح بالعودة إلى بعضها لكي تتخلص من وحشتها التي أتعبتها بعد فقد أحدهما الآخر. الموت مصيبة تنتهي بها كلّ أوجاع الدنيا التي أثقلتها. مصيبة يفرح بعدها الزوج أو الزوجة حين يقدم إلى عالمه ضيف ينتظره!
تعرف أخي الكريم وأختي الكريمة أن أسرع شيء في الحياة هي الحياة نفسها! ليس السيارة أو الطيارة ولا الأقمار الصناعية، إنما العمر ذاته! الحياة التي يوقظنا عدّاد سرعتها عندما نقرأ أو نسمع نبأ وفاة شخص نعرفه ثمّ نعود لا نسمع ولا نعي حتى يوقظنا نبأ آخر! أعوام تنتهي كأنها يومًا أو بعض يوم!
الحياة الدنيا قصيرة "أهلُ الدّنيا كَرَكبٍ يُسَارُ بِهِم وهُم نِيَام". اللهم أيقظنا من نوم الغفلة يا رب. اغفر لها ولزوجها يا رب وارحمهما واجعل قبريهما روضة من رياض الجنة. اللهم صبر أهلها وذويها يا رب!
عادَةٌ لِلزَمانِ في كُلِّ يَومٍ * يَتَناءى خِلٌّ وَتَبكي طُلولُ
فَاللَيالي عَونٌ عَلَيكَ مَعَ البَينِ * كَما ساعَدَ الذَوابِلَ طولُ
رُبَّما وافَقَ الفَتى مِن زَمانٍ * فَرَحٌ غَيرُهُ بِهِ مَتبولُ
- الشريف الرضي -



