كان الله معنا.. جاء صامتًا ورحل (5) والأخير

نواجه خلال مراحل حياتنا تحديات متداخلة، ويفرض علينا واقعنا حيالها تعلم مهارات لتخطيها، ومع تسلحنا بالإيمان الذي نعتقد أنه لا يراوده شك نتعايش مع متغيرات الحياة المقدرة لنا من الله تعالى يملأنا اليقين مستسلمين أنها الرحمة المهداة، لها فيض من الإيجابيات التي ندركها مع الوقت، وجعلها منعطفًا نرتقي به سلم النجاح، رغم وجود السلبيات التي قد تخنقنا ونقف عاجزين حيالها ولو لبعض الوقت.
وتتعدد هذه التحديات على مختلف المستويات؛ النفسية، والصحية، والتعليمية، والأسرية، وحتى الاجتماعية. وأشدها عندما تتداخل؛ فنقف عاجزين عن التصرف حيال تحدٍ أو اثنين وحتى أكثر في آن واحد، مما قد يشعرنا أننا فقدنا بعض الاحتياجات المهمة، التي تعيق مسيرتنا خلال فترة لا نعلم متى تنتهي، وكل ذلك بنسب متفاوتة بين فرد وآخر.
وهنا ارتأيت أن أقف معكم بين آخر سطور حديثي عن تجربة ابني محمد في تحدي مرضه (سرطان الدم) لإتمام مسيرته، على المستوى التعليمي، والاجتماعي، كونه مازال طالبًا في المرحلة المتوسطة، قد يكون خيارًا صعبًا مع عرض الصحة كأحد الخيارات، والتي تُعد من أولى الاهتمامات لكل إنسان، والحلم بمواصلة الدراسة بخطوات واثقة نحو مستقبل مشرق، وتؤكد قدرته على إيجاد سُبل وبدائل تسهل العملية التعليمية، وتضمن المضي بالخطط العلاجية، ووقايته من أي انتكاسه وسلامته ضمن أفراد مجتمعه.
وحديثي هذا ليس تشهيرًا أو تقليلًا لجهود أي جهة من الجهات التعليمية أو الاجتماعية، بقدر ما هو وقفة اعتراف بما يعانيه من مرض وينتظر في حيرة متى يعود لمقاعد الحياة بين أقرانه في المدرسة، أو النادي، أو المناسبات الاجتماعية، بصورة طبيعية وبنفس المسار، وتضمن له عدم حدوث انتكاسة صحية خلال برنامجه العلاجي، المُعد له.
ومما لا ريب فيه يعيش مريض السرطان في ظروف استثنائية من الخضوع للمرض والخوف من ملازمته لسنوات لا يعرف متى يخرج من شرنقته، وبين من يدرك أنه أمرٌ طارئ وزائرٌ ثقيل، وأن عليه الصبر والتمسك بإرادة قوية، لمواصلة العلاج إلى أن يتخلص منه.
في حين تبقى تجربته المؤلمة محفورة في ذاكرته وعليه الحذر من عدم عودته لا قدر الله.
وهنا على المريض أن يعرف الجهات التي يقصدها لدعمه في الجوانب الصحية، والنفسية، والتعليمية، والاجتماعية، وحتى الجانب الاقتصادي، ومعرفة كيفية الحصول على حقوقه كمريض سرطان، قد تكون مغيبة عن الكثير من المرضى رغم وجود الدعم اللا محدود من الدولة على جميع الأصعدة.
لا أخفي عليكم رغم وجود الكثير من الدعم، إلا أني وجدت عدم معرفة بعض الجهات التي كنا نتواصل معها بما له من خدمات تعزز مواصلته العلاج أو التعليم إذا كان طالبًا، وحتى الدعم المادي إذا كان رب أسرة، وهنا يأتي دور التوعية للمرضى وذويهم بالتواصل الفعّال، وتنبيههم بأن هذه الخدمات "حقوقهم وعليهم الحصول عليها"، ولا أخفي عليكم أيضا أن حالة الحيرة والصدمة يقع فيها الكثير مع بدء المرض، كيف يمكن أن تنقضي أيام وليالي الألم؟
وهنا وددت الإشارة إلى بعض الجهات التي يمكن الاستعانة بها خلال رحلة العلاج وكان لها ثمرة وأثر لا يمكن أن يغيب أو ينكر، وهي معروفة لدى الكثير وفي مقدمتها: الهيئة الطبية العامة بالدمام التابعة لوزارة الصحة، ومستشفى القطيف المركزي، ومستشفى الملك فيصل التخصصي، ومراكز الأبحاث، وهنا أخص قسم الدعم الاجتماعي للمرضى الذين يتلقون العلاج في المستشفى، ووزارة التعليم (المدارس)، ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية المتمثلة في وحدة الخدمات الاجتماعية الداعمة بالقطيف، أو خدمات التأهيل الشامل التابع لها، أيضًا جمعية السرطان السعودية بالرياض، وجمعية سند لدعم الأطفال المرضى بالسرطان بالرياض.
وقتها لا أخفي عليكم وأنا مع هذه الجهات، تمنيت وقفة جادة من جمعية الأمل لمكافحة السرطان بالقطيف، لكن لم أجدها، كانت الباب الأول الذي طرقته لكنه كان مؤصدًا، جاء ردهم: دورنا تثقيفي. وعمل الجمعية وقتها شبة متوقف، وهنا دار في خلدي "أليس من حق أهل القطيف وجود جمعية تأخذ بيدهم نحو معرفة حقوقهم؟" ومع عودة الجمعية إلى الساحة الاجتماعية أتمنى أن تكون لها بصمات بارزة لدعم مرضى سرطان الدم.
بالتأكيد سيكون طريقًا طويلًا ومتشعبًا نوعًا ما للوصول لبعض الخدمات التي ستمنح المريض بعضًا من هذه الحقوق التي تعينه على مواجهة الألم، وعند حصوله على هذه الخدمات المتميزة من جهات تعمل دون منٍّ لكل مواطن سعودي الجنسية، والخروج به إلى مرفأ الأمان والاستقرار النفسي للعيش بصحة مع من حوله، كونه في بلد يقدم ميزانية خاصة، يقدم إمكانيات ذات جودة عالمية وبأعلى المستويات، بجهود مترابطة بين عدة وزارات.



