من قلب دبابية القطيف.. صورة مذهلة من 1947 تعيد «عين العودة» إلى الحياة بعد أن نضب ماؤها

أعادت صورة تاريخية نادرة التُقطت عام 1947م في حي الدبابية بمدينة القطيف مشهدًا حيًا من زمن كانت فيه «عين العودة» تنضح بالماء وتفيض بالحياة، قبل أن تنضب في نهاية سبعينيات القرن الماضي.
وتعود الصورة حسب تتبع «القطيف اليوم» إلى أرشيف جامعة لويزفيل الأميركية (University of Louisville Digital Collections)، بعد أن وثّقها المصوّر الأميركي هارولد كورسيني (Harold Corsini) ضمن مشروع التصوير الوثائقي لشركة Standard Oil (SONJ) الذي جال مدن وقرى المنطقة الشرقية منتصف القرن العشرين.
وتكشف اللقطة مشهدًا يوميًا غنيًّا بالتفاصيل، إذ يظهر فتى يسبح في حوض العين، بينما يقف رجل وصبي آخر على حافة السور الطيني العتيق، بينما حركة الماء تتدفق إلى فتحة حجرية محفوظة في جدار العين.
وتبرز خلفية المشهد البيوت الطينية المتلاصقة لحي الدبابية، ببواباته المقوّسة ونوافذه الصغيرة وسقوفه المبنية من جذوع النخيل وغيرها، لتشكل لوحة عمرانية أصيلة تعكس ملامح القطيف قبل التطوير الحديث.
وتجسّد الصورة الدور الحيوي الذي لعبته «عين العودة» في حياة الأهالي، فقد كانت مصدرًا للماء، ومتنفّسًا للسباحة، ونقطة التقاء يومية للرجال والأطفال، بالإضافة إلى دورها في ريّ البساتين عبر شبكة من السواقي التي كانت تمتد من العين باتجاه المزارع المجاورة.
ويروي الأرشيف الأصلي للمجموعة أن العين كانت تحتوي على نوع نادر من أسماك المياه العذبة، وهي معلومة علمية لافتة لا تظهر إلا في هذا المصدر الدولي.
وتعكس تفاصيل اللقطة عمارة القطيف القديمة بواقعية واضحة، فالجدران المشيدة بالحجارة البحرية والطين تظهر عليها آثار الرطوبة، فيما تبدو الأزقة الضيقة التي تربط المنازل كجزء من النسيج الاجتماعي للحارات التقليدية.
وتبرز الصورة ببساطتها القيم الجمالية للضوء والظل، والأبعاد الإنسانية التي تصور علاقة الناس بالماء في مرحلة سبقت شبكات التحلية والتمدد العمراني.
وبعد نضوب العين في أواخر السبعينيات، جرى ردمها للأسف بدل المحافظة عليها كمعلم أثري مهم، كان يمكن أن يشكل أحد أبرز الشواهد العمرانية على تاريخ القطيف المائي.
ومع ذلك، يرجح أن جدران العين القديمة وملامحها الأساسية لا تزال قائمة تحت طبقات الردم، وهو ما قد يجعل عملية الكشف عنها وإعادة إحياء موقعها أمرًا ممكنًا في المستقبل، بما يروي حكاية المكان ويقربه أكثر إلى ذاكرة المجتمع.
وتكمن أهمية الصورة اليوم في كونها إحدى أقدم الوثائق البصرية لحي الدبابية، وأحد الشواهد القليلة التي توثق «عين العودة» قبل اختفائها.
وتقدم الصورة دليلاً بصريًا دقيقًا على الحياة اليومية في القطيف خلال الأربعينيات، وعلى الأسلوب العمراني المحلي، وعلى نمط الاستخدام المائي في الواحة قبل التغيرات البيئية الكبرى.
وتبقى هذه اللقطة التاريخية، التي تحمل الرقم ULPA SONJ_58732 في أرشيف جامعة لويزفيل، واحدة من أهم الصور التي رصدت ملامح القطيف القديمة وعدستها الساحرة التي حفظت جمال «عين العودة» قبل أن يسدل الزمن ستاره على منبعها الأخير.



