بين البياض والعمق الأسود.. فايزة المسعود تبني عالمًا ثالثًا لا يُرى إلا بالبصيرة

قدّمت ابنة القطيف الفنانة التشكيلية فايزة حسن المسعود، مشاركةً لافتة في النسخة الرابعة من معرض «أبيض وأسود»، حيث اشتغلت على بناءٍ بصري يعتمد على تداخل الحرف مع الكتلة، وتمازج الظلال مع البياض في مشهد يقترب من التكوينات الصوفية التي تولد فيها الفكرة من عمق اللون لا من سطحه.
وأظهرت المسعود في عملها لوحة تقوم على ثنائية حادة بين المساحة السوداء الكثيفة والبياض الممتدّ في أعلى اللوحة، بينما تشقّ كتلة هندسية مائلة حدود الفاصل بينهما لتبدو كأنها حجرٌ يتجه للصعود، أو نافذة ينفذ منها الضوء في لحظة انتقال بين عالمَين.
وجاء هذا البناء كأنه حركة صامتة نحو الأعلى، تستند في عمقها إلى حضور الحرف العربي الذي بدا متداخلًا ومرتجًا ومتحركًا كالدخان أو كالوميض.
ووظفت الفنانة الحروف كعناصر تشكيلية لا تُقرأ بوصفها نصًا، بل كأثر بصري يضيف للوحة إيقاعًا روحيًا، فبدت الحروف وكأنها تتصاعد من العتمة مثل دعاءٍ أو همسٍ أو أثرٍ لخطوات لا تزال تترك علاماتها على الطريق.
وامتزجت في الخلفية طبقات لونية ناعمة، مطبوعة بملمس خفيف يظهر ويختفي، في حركة تُوحي بأن المعنى لا يظهر كاملًا بل يتشكّل ببطء.
واعتمدت المسعود في عملها على تقنية تجمع بين التجريد والرمزية، حيث تتقاطع الخطوط المتدفقة مع الكتل السوداء في علاقة تعكس تدرجات المشاعر حين تخرج من الصمت، بينما يمتد اللون الأبيض في الأعلى كمساحة تنفتح على احتمالاتٍ جديدة، ليغيّر توزيع الحواس ويمنح للوحة بعدًا روحيًا يتجاوز الشكل إلى الفكرة.
وحرصت الفنانة على إبراز البنية المائلة في منتصف العمل، كأنها مركز الثقل الذي يوازن العالمَين، عالم يزدحم بالحروف المتشابكة والملمس الخشن والتكوينات الداكنة، وعالم آخر يتنفس بياضًا خفيفًا يفتح الباب أمام الضوء.
ومن خلال هذا التوازن الحاد، قدّمت المسعود رؤية تُحاكي صعود المعنى من غياب، وتحوّل الفكرة من حالة كامنة إلى حضور واضح.
وجاءت هذه المشاركة ضمن أعمال النسخة الرابعة من معرض «أبيض وأسود» الذي تنظمه جماعة الفن التشكيلي بالقطيف بالتعاون مع نادي آرت سما للفنون البصرية وبالشراكة مع مشروع الرامس الثقافي، حيث افتُتح المعرض مساء الخميس 22 جمادى الأولى 1447هـ في المركز الثقافي بوسط العوامية، بمشاركة أكثر من أربعين فنانًا وفنانة قدّموا أعمالًا تتنوع بين الواقعية والتجريد والتعبيرية والطبيعة الصامتة والمنحوتات، جميعها بلغة الأبيض والأسود وثنائية الضوء والظل.
ويستمر استقبال الزوار حتى الإثنين 17 نوفمبر 2025م من الساعة 7 حتى 10 مساءً، في مساحة تحتفي بالفن الذي يفتح نافذة على الداخل، ويعيد صياغة العلاقة بين اللون والمعنى في رحلة تتوازن فيها الخطوة الأولى للضوء مع آخر ظلال العتمة.




