أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

في الأزمات تصنع الأفكار

عيسى العيد · القطيف اليومالثلاثاء 18 نوفمبر 2025، 8:44 م
في الأزمات تصنع الأفكار

الأزمات بطبيعتها تأتي مفاجئة، لـيست في الحسبان كما يُقال. في بدايتها تكون مزعجة جدًا، إذ تعطل الـروتين الـطبيعي وتعوق مسيرة الحياة المعتادة. هي أشبه برجل يقود سيارته وقد حسب وقت الوصول إلى هدفه بسرعة معينة وفي وقت محدد، فإذا به يتفاجأ بتحويلـة مرورية لوجود إصلاحات في الطريق. عندها ترتبك الـظروف وتتغيّر الأسباب وتتأخر المواعيد نتيجة تلك التغيّرات المفاجئة، فيبدأ بالبحث عن حلول بديلة، كالاتصال بمن وعدهم بوقت وصولـه لـيخبرهم بتأخره لـطارئ حصل في الطريق.

وهكذا هـي الأزمات في بدايتها؛ تُحدث اضطرابًا وارتباكًا، لكنها ما تلبث أن تُعيد تشكيل الحياة بأسلوب جديد. فحين تُبتكر الحلول المغايرة لما كان قبلها، يتعوّد الناس على واقع مختلـف يحمل في طيّاته إيجابية مضادة لما جاءت به الأزمة من سلبية.

كما كانت أزمة وباء - كوفيد- 19 » كورونا» ، الـتي شلّت حياة الـعالـم بأكمله. ومع ذلك، وُلدت من رحمها حلول جديدة كالـدراسة والـعمل عن بُعد، والتباعد الجسدي بين الـناس، حتى صار الجميع يتأقلـم مع الـواقع الجديد بروح إيجابية. ومن خلال ت ل ك الـتجارب يتضح أن الأزمات تصنع الأفكار، وتدفع إلـى الابتكار والـتكيّف. فهي تعلّم الإنسان كيف يفكر ويُبدع في الـبحث عن الحلـول. فكل واحد يبتكر فكرة، ويأتي الآخر ليطورها، حتى تتكوّن منظومة فكرية جماعية تُنتج سبلًا جديدة لـلـعيش في ظل الأزمة. قد تنجح بعض الأفكار وقد تفشل أخرى، لـكن الـنتيجة دائمًا هي الـوصول إلـى طريق أفضل. الأزمة، رغم إزعاجها، تظل نافعة؛ لأنها تُحرّك العقول وتُوقظ التفكير. فبعض الأزمات تُفتعل عمدًا لإزعاج الآخرين، بينما يُفتعل بعضها الآخر بقصد إيجابي لـتحريك الـفكر ودفع الـناس نحو الـتغيير.

فمثلًا، قد تخلـق الـشركات الـتجارية أو المؤسسات الحكومية «أزمة» مؤقتة عند إطلاق منتج جديد أو مشروع ضخم تحت ضغط زمني لرفع كفاءة فريق العمل واختبار قدراته.

وفي الـسياق ذاته، قد تخلـق الـتحولات الـكبرى أزمات مؤقتة، لكنها سرعان ما تُفرز فرصًا جديدة لمن يملكون روح المبادرة. ومثال ذلك ما حدث عند اكتشاف النفط وتأسيس الـشركات النفطية، إذ تأثرت بعض المهن التقليدية واختفت تدريجيًا، فالتحق كثير من الـناس بالوظائف الحديثة، بينما أصرّ آخرون على مهنهم حتى اندثرت. غير أن فئة ثالـثة استفادت من هـذا الـتحول وابتكرت مهنًا تتلاءم مع المرحلـة الجديدة، فكانت تلك «الأزمة » نقطة انطلاق لعصر من التنمية والتطور.

والخلاصة أن هـناك أزمات سلبية وأخرى إيجابية، لكن في كلتا الحالـتين تظل الـدعوة قائمة إلـى التفكير والإبداع لمواجهة ما تفرزه من تحديات. فالأزمات، في جوهرها،لـيست نهاية الـطريق، بل بداية لطريق جديد.