الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

«اصدع بكلمتك وانشر فكرك فنجاحك حينما ينتقدك الناقدون»

الشيخ حسين البيات · القطيف اليومالإثنين 1 ديسمبر 2025، 10:44 ص
«اصدع بكلمتك وانشر فكرك فنجاحك حينما ينتقدك الناقدون»

“يستعيد العقل إدراكه وفطنته وانتباهه بنقد الناقدين وتجريح المفكرين.”

لا يمنعك عدم إعجاب الناس بقلمك أن تتوقف عن أن تبث فكرك ورأيك؛ فلا تجعل إعجاب الناس سببًا لكتابك، ولا صدّهم سببًا لتجفيف حبرك. فما أكثر من يبحث عن حكمة تُيسّر له درب حياته، وترفع عنه الغم والاضطراب، وتبعث في نفسه الراحة والطمأنينة لجميل ما لامس.

اكتب وانشر واصدح، وكن فخورًا بما نشرت؛ فمن لا يُعجب بحكمتك اليوم سوف يجدك جديرًا غدًا. فالكلمة لا تسير كما يهوى الآخرون، بل كما تجدها قائمة في النفس وهي تبحث عن مخرج تُنير به من حولها.

انظر إلى هذه الصورة الرائعة؛ يقرؤها المترددون شكًا، وهي قراءة العموم، ويقرؤها الناجحون يقينًا، فيأتي الإنسان يوم القيامة مفتخرًا بكتابه، وهو موقن بنجاحه لثقته بما قدّم وأعطى:
«فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ، إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ».

فما أنتجته الحكمة سوف تصقله البصيرة، ويغذّيه الوعي، ويستعيد العقل إدراكه وفطنته وانتباهه بنقد الناقدين وتجريح المفكرين، وكل ذلك تقوية لفكرك وسمو لكلماتك. ولو لم تكن لأحرفك حياة ومشاعر، لما ألزمت العارف بسماعك، والعاقل بنقدك أو تأييدك، والجافي بقراءتك.

كثيرون تُبدع الكلمة في صدورهم، حتى إذا سبقهم غيرهم واستحسنها الناس، أصابتهم الحسرة لما صمتوا وترددوا.

ليقرأك الناس كما أنت، وليسِر قلمك كما تُحبره حكمتك، ولتكن كما أنت؛ فلا تُكثر من مساحيق التنسيق والتجميل، فالحكمة قيمتها فيما تُعطي، وما الصورة المجمّلة إلا مدخلًا لهواة البلاغة وفن الإبداع اللفظي. وما قيمة الكلمة إلا بما تحمل، وما مضمون اللفظ إلا قائمة المعنى وكفاءة الحكمة. وكم من كلام عظمت بلاغته وضاعت معانيه، والشعراء يتبعهم الغاوون، وإنهم لمتشابهون بما اصطنعوا من استثارة الغريزة وقوة الخيال، حتى نافسهم غواة الشهرة وبغاة الغرائز وهابطو القيمة.

لا تتهيب من النقد وإن كان لأجل إسقاط موقعك الذي تبنيه؛ فالفكر لا يهدمه النقد بل يقوّيه. وإنما يهدم الفكرَ خروجه عن الواقع، وضحالة استدلاله، وضعف حجّته وبنيته ومنهجيته، وابتعاده عن الإبداع، وكثرة سرده وتكراره. وكل نقد يُشوّش عليك فكرك ويجرح شخصك من خلال تعرّضه لموضوعك فإنه يُسقط نفسه. وكلما نضج العقل، وعت الحكمة، واشتدت، أصبحت الفكرة أكثر قوة وكفاءة.

وأخيرًا، لم يكن صاحب اليمين ممجّدًا في الدنيا ومبجّلًا في عمله، بل كان يُصارع المستضعِفين له والمُسقِطين لرأيه، فصمد واثقًا من طريقه ومنهجه وأصوله، فحصل على ما رجا.