كلما ساد الجهل زادت العنوسة وكثر الطلاق

العقل زينة سيد الأحكام، به نقيم. وللأسف أكثرنا يستبعده ويستبدله بالمدمّر: الجهل، في مواقف تحتاج أفكارًا ذات خبرة واطلاع، فيعطّل البناء ويهدم القائم. هذا هو حالنا اليوم؛ لا أحد ينفيه ويغطي وجهه بلحاف، فنور الشمس يبديه.
حلول إصلاح القضايا ـ باستثناء البعض ـ موجودة، والبدائل متوفرة، والتقصير منا، لا نفعلها ونتلاعب بها باجتهادات عشوائية غير تخصصية بدعوى الحداثة لرفع المظلومية والمساعدة والوقوف بجانب هذا وذاك كذبًا وبهتانًا وزورًا.
لا نتحاور حولها بعقل سليم وبنصح وهدوء، بل نتحزّب أمتين، نسلّ سيوفًا مغمدة ونشرعها، و«موقظو الفتنة جاهزون أينما أصابت فهو فتح»، استعدادًا لدخول حرب بسوس طاحنة، المنتصر فيها خاسر. أشعلناها بجهلنا، ونسينا ما جاء به النبي الأكرم محمد بن عبدالله عليه وآله أفضل الصلاة والسلام من تشريعات وآيات حثّت على العمل بالمعروف والإحسان، فألقينا كل ذلك وراء ظهورنا «لنعيد أمجاد كليب والزير وجساس، ونزيد عليها إساءة سمعة وطعنًا متبادلاً في الشرف».
تنتهي الأمور بانفصال وتشتيت وعداوة يتوارثها الأجيال حين تقع بين زوجين وأرحام ومشتركين في ميراث.
إلى متى نبقى نعيدها جاهلية؟
أهكذا أُمرنا؟
تهميش عقول، بيع ضمائر، تلويث ذمم، تصرفات عقيمة عمياء، وتدخلات خبيثة رعناء.
حتى أصبحنا:
أولًا: عزوف شبابنا وفتياتنا عن الزواج، وتفضيلهم البقاء عازبين «عوانس» بسبب الشروط الباهظة المكلفة من جانب، وصعوبة اختيار الصالح النزيه من جانب آخر؛ مزايدات هنا وخوف هناك، وتحسبًا من مشاكل مستقبلية فيما بعد. أصابت المئات لسوء فهم وتدخل فضولي أحمق متخلّف، وانفتاح عالمي وبرامجه المغرية مع تقليدنا الأعمى لها دون دراسة ورويّة.
ثانيًا: سابقًا كنا نعاني من القبلية والتمييز، والآن نعاني من الأولاد واستغلالهم المادي، ومن البنات ومطالبهن التعددية.
تقطّعت بنا السبل، وعجزنا عن إكمال الدين.
باتوا سهرًا بالليل ونومًا بالنهار، وكلما نظرَهم الأبوان ـ درفا الدموع بآهات ـ لا يدرون متى النصيب وكيف الخلاص بعد الأربعين، وقد غيّرت السنون المحاسن وصعُبت الشروط واستحالت، بحيث لا يجد الملتزم مَن ترضى به وتقبله بإمكانياته البسيطة ووضعه الراهن.
والنتيجة: بقينا نواصل رعايتهم كبارًا كما لو كانوا صغارًا؛ نقدم لهم الطعام، نرتب أسرّتهم، ندفع مصاريفهم، وكم تمنّينا حمل أحفادهم.
ثالثًا: نحن على حافة هاوية مشاكل وطلاق متزايدة مخيفة؛ أمامنا وخلفنا، عن اليمين والشمال.
مرض معدٍ، عدو مرعب شرس يتربص بنا ويحاصرنا. من سلم منه اليوم لا يأمنه غدًا.
علينا سرعة معالجته قبل استفحاله، ومنع القادم قبل انتشاره، بتشجيع الزواج والتخلص من العنوسة ضمن تعاون جماعي وجهود حثيثة، بخطوات منها:
(1) التفاهم المبدئي لفحص تقارب الفكر بين الراغبين، وإكمال الخطوات التالية حال التوافق أو تباعدهما، مع مراعاة قِصر مدة الخطوبة عند القبول.
(2) عشرة من الطيبين يطلبونكِ يا بنت العشرين والثلاثين، فتعجزينهم بما ليس بالمقدور واللازم، فيبتعدون عنكِ.
يكفي قدرته على الإنفاق المتعارف على بيت الزوجية، يصلي، يصوم، يعامل والديه والعامة بالحسنى، لا يتعاطى ممنوعات، مبتعد عن المحظورات.
هفواته الصبيانية السابقة أعرضي عنها؛ عفاها الزمن، فلا تتعقبيه بها.
من منا لم يخطئ؟
تنتظرين حتى تمر الأيام، فلا تسمعين مَن يطرق الباب ولا تجدين ما تتمنين. ترككِ الكل، نسوكِ، وسار القطار بعيدًا لا يمكن اللحاق به.
قصرت عن المشي القدمان، اشتعل الرأس شيبًا، عقم الرحم، وجارٍ البحث عن دونك سنًا.
فحذارِ تفوّتين الآن مَن يُرتضى دينه وخلقه؛ لتنجبي طفلًا يملأ الدنيا عليكِ سعادة، قبل أن تريه محمولًا على كتفي غيرك فتقولين حينها: «ليتني قبلت فلانًا بعلاً»، فلا ينفعك وإن حصل.
(3) مطلوب دخول فئات المجتمع الواعية واللجان المتخصصة لحلحلة المعوقات، بإقناع الفتاة بترك غير الضروري من الماديات وتوابعها ومتعلقاتها؛ لا تقارني، لا تناظري، لا تتابعي غيرك.
ترضى بما يحقق لها ـ ولو أدنى ـ العيش بكرامة.
كذلك ضمان المتقدم والتأكيد عليه بعدم استغلالها إن كانت ذات مال أو راتب شهري.
وعلى الطرفين تقاسم المسؤولية بالتساوي، وأن يكونا من البداية واضحين مكشوفين أمام بعضهما.
لا المخطوبة رضاها مبطن على أمل طموحات خيالية فيما بعد لا تُلبى لها فتبدأ الصراعات بسببها، ولا الخاطب يعد ويُمَنّي كأنه قارون زمانه «وهو يستجدي أهل الخير لمساعدته»، ثم لا يفي لها بشيء من وعوده، فيفتح على نفسه أحد أبواب جهنم السبعة، وقد كان مغلقًا.
الخلاصة:
إذا حُكّم العقلاء ضاقت الخلافات وحُلّت، قلّ الطلاق وبُنيت أسرة متحابة.
وعند تولّي الجهلة بأفكارهم البائدة، وتدخل المخربون بقصد «المصلحة»، تكبر المشاكل وتتشعب.
كم فتاة أضاعوا فرصها مرارًا! وكم متزوجة مستقرة أغروها بالانفصال لأتفه الأسباب!
وقتها لا يخلو أحدنا من مطلَقة أو مخلوع أو مطلِق… وربما بهم جميعًا، غير صف الانتظار على أمل الفوز بشريك/شريكة، والعدد مرشح للزيادة، وما نحن فيه خير شاهد.



