أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

دهن عود.. الجزء الأول

باسم آل خزعل · القطيف اليومالإثنين 8 ديسمبر 2025، 9:02 ص
دهن عود.. الجزء الأول

من عالم الطفولة حيث تتعثّر الأنف الصغيرة في دهاليز روائح العود الغامضة، إلى سنوات طويلة عاشها بلا حاسة شمّ تقريباً، ثمّ إلى مفاجأة طبّية غيّرت كل شيء... عادت إليه حاسة الشمّ فجأة، لكن بعشرة أضعاف قوتها الطبيعيّة. تحوّل أنفه إلى رادار خارق يلتقط أدقّ الروائح، فأعادته هذه القوة الجديدة إلى كنوز طفولته: إلى دهن العود وأخشابه، ليبدأ رحلة بحث عن أندر الروائح وأعمقها، مُحمّلاً بإرث أبٍ خبير، وحاسّةٍ وُلدت من جديد. هذه هي قصّة لقاء مصيري بين أنفٍ استعادَ ذاكرته، وعالمٍ عبقريّ لا يعرفه إلا من يملك مفاتيح أسراره.

عالم العود والبخور عالم لا حدود له… مأهولٌ بالغموض، متّسع كخيالٍ لا يكتمل إلا بأنفٍ يعرف تفاصيل الروائح وتركيباتها. كيف لتلك الأشجار البعيدة، ولجذوعٍ تنحتها السنين، أن تُهدي الإنسان ذلك "الذهب الأسود"؟ ذلك السائل الداكن المشابه للزيت الخام لوناً ولزوجة، والمختلف عنه في سرّ تكوينه وعمق أثره.

منذ طفولتي، كانت حياتي مرتبطة بهذه الروائح دون أن أعرف أنها ستصنع لي قدراً خاصاً. والدي أطال الله عمره ،كان يملك محلاً لبيع المكسرات، لكنه لم يكن مجرد محل، كان نافذة إلى عالم آخر. تميّز ببيع أدهان العود وخشبه، وبعرض أحجار كريمة وخواتم فضية نادرة الجودة، كأن المحل قطعة صغيرة من أسواق الزمن القديم.

كنتُ أراقب والدي بانبهار وهو يسكب دهن العود في زجاجات صغيرة بأحجام مختلفة الربع تولة ونصفها وتولتها الكاملة. لم تكن عملية سهلة، بل كانت تحتاج إلى دقة يد ورهافة حسّ. وفي كل مرة تمتزج الروائح في الهواء، كان أنفي الصغير يلتقطها، يحاول تصنيفها دون أن يعرف أسماءها. كانت رائحة العود هي الذاكرة… والذاكرة هي البيت.

في الثمانينات رافقت والدي في رحلات كثيرة لدول الخليج كدولة الكويت،و مملكة البحرين ولا أنسى ذهابي وإياه الى مكة المكرمة والمدينة المنورة لوفرة تلك المنتجات انذاك، كان يشتري حقائب كبيرة كاملة من أخشاب العود بالجملة، يختارها بنفسه بحسّ خبير لا يخطئ. لم أكن أفهم سرّ هذا الاختيار، لكنني كنت أؤمن بأنف والدي الذي يميّز القطعة الجيدة من السيئة كما يميّز الأحجار الكريمة: العقيق اليماني، الفيروز، الزبرجد، الياقوت… كلها يقرأها بنظرة، ويلمّ بصفاتها من لونها وملمسها ورائحتها الخفية.

ومع مرور الزمن، شاء الله أن يُغلق المحل لأسباب خاصة، لكن والدي احتفظ بكنوزه النفيسة: أخشاب العود، أدهانه، وأحجار لا تُقدَّر بثمن. بقيت تلك الأشياء شاهدة على زمن جميل… وعلى بداية قصة لم تكن قد اكتملت بعد.

اللحظة الفاصلة جاءت من حيثُ لا أتوقّع.

لسنوات طويلة، كنت أعيش بلا حاسة شم تقريباً، بسبب التهابات الجيوب الأنفية. روائح العالم كانت تمرّ بجانبي بلا أثر… كأنني أعيش خارج ذاكرة الهواء.

حتى اتخذت القرار: عملية جراحية تنظف الجيوب وتعيد لي نفسي قبل أن تعيد لي أنفي.

كانت المفاجأة أن الطبيب أزال الغضاريف المسؤولة عن ترشيح الروائح… لكن ما لم يتوقعه أحد هو ما حدث بعدها.
لم تعد حاسة الشم فقط… بل عادت أقوى بعشر مرات من الإنسان العادي.

تحول أنفي إلى جهاز إنذار:
أشم عطب الأسلاك الكهربائية قبل أن يراها الفني،
أدرك احتراق الطعام وأنا خارج المنزل..كان الأمر أشبه بقدرة جديدة وُهِبت لي… قدرة أعادتني إلى جذوري.

مع هذا التحول، عادت ذاكرتي القديمة إلى الحياة. عاد العود. عاد الخشب. عادت الروائح التي كانت تسكن محل والدي، لكن هذه المرة كان أنفي هو القائد، والذكريات هي الدليل.

بدأت رحلتي الحقيقية في عالم أدهان العود والعطور، رحلة مشوار الألف ميل، حيث تتلاقى الخبرة الجديدة مع إرث الطفولة.
ومنذ ذلك اليوم… صار أنفي يختار المميز، يبحث عن النوادر، ويعرف جيداً أين يكمن الجمال في كل قطرة وكل قطعة خشب.

هكذا… لم يعد العود مجرد رائحة.
لقد أصبح جزءاً من قصة… قصة بدأت في محل صغير، وعادت لتُكتب بحاسةٍ ولدت من جديد.