«تراكمات»… ليلى الفرج تحوّل الضغوط إلى خطاب نحتي

قدّمت الفنانة التشكيلية والحركية ليلى علي الفرج مشاركة مغايرة في النسخة الثالثة والعشرين من المعرض الجماعي السنوي «نبض»، خرجت فيها من فضاء اللوحة المسطّحة إلى التعبير النحتي، بوصفه وسيطًا أكثر التصاقًا بالجسد، وأقرب إلى مواجهة التجربة الإنسانية بكل ثقلها.
في عملها النحتي المعنون «تراكمات»، تستحضر الفرج الرأس الأنثوي بوصفه مركز الوعي والذاكرة، وتمنحه حضورًا صامتًا لكنه مشحون بالدلالة، حيث لا تكتفي بتشكيل الملامح، بل تذهب إلى تفكيك ما يحيط بها من ضغوط داخلية وخارجية، وتجسيدها بصريًا عبر تفاصيل دقيقة تنبض بالمعنى.
وتتموضع على جانب المنحوتة أسلاك متراكمة، رتّبتها الفنانة على هيئة سلّم صاعد، في إشارة رمزية إلى الضغوط التي تتكدّس في حياة المرأة: ضغوط العمل، التفكير المستمر في الأبناء ومستقبلهم، المرض، القلق، والمشكلات اليومية التي لا تنتهي. هذه التراكمات، بدل أن تبقى عبئًا خانقًا، تتحوّل في العمل إلى وسيلة للارتقاء، وسلّمٍ للخروج من الاختناق.
وتعمد الفرج إلى قلب المعادلة الشعورية عبر ابتسامة هادئة رسمتها على وجه المنحوتة، في دلالة واضحة على القوة الداخلية وعدم الاستسلام، حيث لا تقدّم المرأة بوصفها ضحية للتراكمات، بل كيانًا واعيًا يواصل الحياة، ويختار أن يترك أثقاله خلفه، حتى وإن لم يكن لبعضها حلٌّ واضح.
وتكشف هذه المفارقة البصرية بين ثقل التراكمات وهدوء الابتسامة عن رؤية إنسانية عميقة، ترى في الاستمرار فعل مقاومة، وفي التعايش مع الألم شكلًا من أشكال الشجاعة، وفي الابتسام خيارًا واعيًا لا إنكارًا للوجع، بل تجاوزًا له.
ويمنح اختيار الطين خامةً للعمل بعدًا إضافيًا، إذ ترتبط المادة بالأرض والبدايات الأولى، وتؤكد تماس المنحوتة مع الجسد والواقع، بعيدًا عن الزخرفة أو التجميل، لتصبح التجربة أكثر صدقًا وقربًا من المتلقي.
بهذا العمل، تفتح ليلى الفرج مساحة تأمل صامتة داخل معرض «نبض 23»، وتقدّم خطابًا بصريًا يلامس التجربة الإنسانية المشتركة، ويؤكد أن الفن لا يقدّم حلولًا جاهزة، بقدر ما يمنحنا القدرة على الوقوف من جديد، والنظر إلى تراكماتنا بوصفها درجات للصعود، لا أسبابًا للسقوط.
ويستمر المعرض الجماعي السنوي «نبض 23» في دورته الثالثة والعشرين، بتنظيم جماعة الفن التشكيلي بالقطيف، وبالشراكة مع نادي آرت سما للفنون البصرية وإدارة مشروع الرامس – إحدى وجهات أجدان العقارية، وبرعاية إعلامية من «القطيف اليوم»، وذلك في المركز الثقافي بمشروع الرامس في وسط العوامية، حيث يستقبل زوّاره يوميًا من الساعة 7 مساءً حتى 10 مساءً، حتى يوم الإثنين 2 رجب 1447هـ، مقدّمًا تجربة فنية مفتوحة تُنصت للنبض الداخلي وتحتفي بالاختلاف الخلّاق في المشهد التشكيلي.





