(2) المصطلح المعماري المحلي لواحة القطيف: ذاكرة المكان ولسان الهوية

تمثّل العمارة التقليدية أحد أهم روافد الهوية الثقافية لأي مجتمع، فهي سجلّ حيّ لعلاقة الإنسان بالمكان، والمناخ، واللغة، والعادات، وقد أولت المملكة العربية السعودية هذا الجانب اهتماماً كبيراً، تجلّى بوضوح في مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي أكدت على حفظ التراث العمراني، وإعادة إحيائه، وتوثيقه بوصفه جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية ورافداً للتنمية الثقافية والسياحية.
• وما دعاني إلى كتابة هذا المقال، هو عدم التزام بعض المؤثرين وبعض الصحف الإلكترونية في عدم تدوين المصطلحات المعمارية المحلية، لنقل تحاشي استخدامها، سواء بدافع الاعتقاد بعدم مناسبتها للنشر، أو لقلة المعرفة بها، أو لعدم إدراك قيمتها المعمارية والثقافية، إذ يُلاحظ في كثير من الأحيان استبدال هذه المصطلحات بألفاظ عامة، تُفقد النص دقته، وتُضعف محتواه التوثيقي التاريخي، وتُقصي الذاكرة المحلية عن خطاب يفترض به أن يكون أقرب إلى المكان والناس، إن هذا التجنّب لا يُعد مؤشراً على رصانة لغوية أو حداثة مهنية، بل يكشف – في بعض صوره – فجوة معرفية تستدعي التوقف عندها، والتنبيه إلى أهمية التعامل مع المصطلح المحلي بوصفه جزءً من العمارة نفسها، لا تفصيلاً هامشياً يمكن تجاوزه.
• إن المصطلحات المعمارية المحلية ليست مجرد ألفاظ دارجة، بل هي نظام معرفي متكامل تشكّل عبر قرون من التجربة والبناء والتعايش مع البيئة، وكل مصطلح يحمل في داخله وظيفة، ومقياساً، وعلاقة اجتماعية ومناخية، لا يمكن اختزالها بكلمة عامة دون فقدان جزء من معناها، ومن هنا، فإن توثيق العمارة التقليدية يظل ناقصاً ما لم يُحافظ على مصطلحاتها الأصلية، مع شرحها وتوضيحها إن أمكن، باعتبار ذلك ممارسة ثقافية واعية، تنسجم مع توجه المملكة في حماية الهوية العمرانية ضمن رؤية 2030.
⁃ نماذج من المصطلحات المعمارية المحلية ودلالاتها:
• الخلوة:
(جزء من السطح مخصص لكبير العائلة لجلسته الخاصة واستقبال الضيوف، يشبه ما يُعرف اليوم بالملحق)
وهي مساحة ذات بعد معماري راق واجتماعي وخصوصية عالية، تعكس مكانة رب الأسرة ودوره.
• المحجر:
(حاجز أو درابزين)
عنصر وظيفي وجمالي، يُستخدم للحماية وتحديد الحواف، خاصة في الدرج والأسطح.
• الأدب:
(بيت الخلاء)
مصطلح يعكس تهذيب اللغة المحلية وحرصها على استخدام مفردات لطيفة للدلالة على الوظائف الحساسة.
• المسبح:
(مكان الوضوء والتسبوح والاغتسال)
فضاء مرتبط بالطهارة الدينية، وغالباً ما يكون قريباً من المرافق الخدمية أو المجلس.
• المزراب – ميزاب:
(مخرج مياه للمياه والأمطار)
عنصر إنشائي مهم لتصريف المياه وحماية الأسقف والجدران الطينية والحجرية من التلف.
• الدنكل – الجندل – الدنجل:
(خشب قاسٍ جداً يُجلب من شرق أفريقيا وآسيا كالهند)
يُستخدم في الأسقف الحاملة والدرج، ويمتاز بمتانته ومقاومته للرطوبة.
• الباسجيل:
(خشب البامبو)
مادة مساعدة تُستخدم فوق الجندل لتشكيل طبقات السقف قبل الطين والجص وعادة يلوّن بألوان جميلة.
• الرواشن:
(الزخارف الجصية)
عنصر جمالي يعكس الذائقة الفنية والحرفية العالية التي في واحة القطيف ، وله دور في التهوية والظل.
• النگيلة:
(عمود من الحجر)
عنصر إنشائي أساسي، يتحمل الأحمال الرأسية، ويُبرز حضور الحجر في العمارة المحلية.
• السافات:
(صفوف الحجر مع الجص أو الأسمنت – مداميك)
تعكس نظام البناء الطبقي ودقة الحرفي في ضبط الاستقامة والمتانة.
• الصلوخ:
(الجدار الواقع بين النگايل)
عنصر رابط إنشائياً وبصرياً، يحقق التوازن بين الأعمدة.
• حجر الفروش:
(حجر بحري مرجاني)
يُستخدم في بناء الأساسات والجدران والأرضيات، ويمتاز ببرودته ومناسبته للمناخ الحار.
• المسعى:
(ممر يربط بين سطحين)
عنصر حركي مهم يسهّل التنقل الرأسي والأفقي داخل المبنى.
• الرواق:
(ارتداد بين الغرف والحوي)
مساحة انتقالية تجمع بين الظل والتهوية، وتؤدي دوراً اجتماعياً ومناخياً.
• المجلس:
(مقعد الرجال)
الفضاء الاجتماعي الأبرز، يعكس قيم الكرم والضيافة والحضور المجتمعي.
• الطوف:
(الجدار)
مصطلح بسيط في لفظه، عميق في دلالته، يعبّر عن جوهر البناء وحدوده.
زرنوق، زرانيق:
(ممر ضيق بين جدران)
الخشب المحلي:
من أهم وأبرز المواد التي استخدمت في العمارة التقليدية ومنها:
النخلة (الاخلاص والخنيزي)، واللوز (القضب)، والكعك، والكنار.
• الجص:
كما لا يمكن الحديث عن العمارة القطيفية التقليدية دون التوقف عند الجِص بوصفه مادة رئيسة وأساسية في البناء، إذ لم يقتصر دوره على كونه مادة رابطة بين السافات (مداميك الحجر)، بل استُخدم في تغطية الجدران، ومعالجة الأسطح، وتنفيذ الزخارف الجصية (الرواشن) التي منحت البيوت هويتها الجمالية المميزة، وقد أثبت الجِص ملاءمته للمناخ المحلي، من حيث عكس الحرارة، وتلطيف الفراغات، وسهولة التشكيل والصيانة، مما يعكس معرفة الحرفي القطيفي العميقة بخصائص المواد البيئية وتوظيفها بما يخدم الوظيفة والجمال معاً، ويؤكد الاعتزاز بالهوية المعمارية المحلية.
⁃ الاعتزاز بالمصطلح اعتزاز بالهوية:
إن الحفاظ على هذه المصطلحات، وكتابتها في التقارير الفنية والصحفية والدراسات كما هي، مع توضيحها بين قوسين، لا يُعد ضعفاً لغوياً أو ترفاً ثقافياً، بل هو موقف واعٍ يؤكد الاعتزاز بالهوية، ويحفظ الذاكرة المعمارية من الذوبان في العموميات، فالعمارة حين تُجرّد من لغتها، تفقد خصوصيتها، وحين نُعيد للمصطلح مكانته، نُعيد للمكان صوته، وللتاريخ حضوره، وللهوية احترامها.
زخرفة جصية

الخلوة

الدهليز

سافات

دنجل وباسجيل




